كتابات - وداعا جدتي

كتابات

الثلاثاء - 04 مايو 2021 - الساعة 12:43 ص بتوقيت اليمن ،،،

روزالين الحاشــــدي




يُراودني شعور غريب؛ خليط من الألم والشوق والحزن والحنين. استنجدت بقلمي، لعل الوجع يهمد قليلا. ولأول مرة تخونني كلماتي! أبجدية الضاد بأكملها عجزت عن إخراج ما بين أوتاري، هي ثمانية وعشرون حرفا ترتجف بين أصابعي.

دعكِ من هذا الهراء، فأنا لا أُتقن فن المقدمات، تُتعبني كثيرا تلك الأسطر الأولى ولو كنت شجاعة بما يكفي، لبدأت رسالتي بـ "أحبك جدتي، فماذا بعد.." على فكرة، في كل مرة عانقتك، كنت أهمس لك أنِّي أحبك، لم أملك يوما جرأة الجهر بذلك. كنت أخجل وأقاوم الرغبة التي بداخلي. بحثت دائما عن جرعة دفء إضافية بين راحتيك وهما تحتضناني كحزمة قمح. لطالما أطلت النظر في عينيك، ابتسامتك، تفاصيل وجهك والشيب الذي يعلو شعرك.



"
لم أتقن أبدا فن الوداع، لا لسبب سوى أن أجمل ما يُؤَتِّتُ حياتي يُسرق فجأة.. هكذا دون سابق إنذار، يختفي بلمح البصر. آسفة لأني لم أودعك ! آسفة حقا
"
عشقت حكاياك ومازلت أحفظها عن ظهر قلب. هل أطلعكِ على سر؟ لم أفهم يوما مغزى الكلام، بقدر ما كانت تستهويني نبرة صوتك. لكني أعتب عليك قليلا ! جميع نهايات القصص كانت سعيدة والكل عاش في أمن وأمان، وماذا عن راوي الحكاية؟ لم تخبريني أبدا أن الطائر لن يغرد مدى الحياة وأن النبع سيجف في أحد الأيام وأن الجدة التي تحكي ستصبح ذات ليلة هي بطلة القصة التي تُروى.

جدتي..أتذكر زغاريد الفرح حين حصلت على شهادة البكالوريا، إمساكك بيدي لنعبر الشارع، ضحكاتك ونحن نعيد مشاهدة حلقات مسلسلك المفضل، حديثك مع الجارات، نصائحك لصنع الخبز وتحضير الشوربة، دعواتك لي في كل يوم أهاتفك فيه.. أتذكر الكثير من التفاصيل الصغيرة؛ بعضها ممل وتافه جدا، إلا أنه يحتل ركنا خاصا في قلبي. أفتقد لقبا لا يناديني به غيرك، أشتاق لحلاوة روحك، أثير صوتك في أذني ورائحة يديك المقدستين. تُؤلمني فكرة رحيلك، أننا لا نطأ نفس الأرض، لا نستنشق نفس الهواء، لا نتقاسم الأحزان كما الأفراح. بعد رحيلك يُرهقني أن أهاتف خالتي دون أن أسأل عن أحوالك، أتفادى أن يزل لساني و لو سهوا باسمك، أخاف أن أرش ملحا على جراحها التي لن تندمل عمرا، أعرف أنها تعاني أضعاف ما أعانيه.

جدتي.. حلمت أن أعانقك لحظة تخرجي، أن أزف لك خبر حصولي على أول عمل، أن نركب الطائرة معا، أن ندعو الله بين أحضان مكة، أن نصلي ركعتين في المسجد النبوي، أن نرقص معا في يوم زفافي ، وأن نحتسي أكوابا من الشاي ككل صيف فوق سطح المنزل.

لا تهتمي! كانت مجرد أحلام طفلة، لم أكن ناضجة بما يكفي لأدرك أن السعادة لحظات تُؤرخ معاني الود والرحمة، لحظات نعيشها الآن بملء البساطة والعفوية وليست خيالا نبنيه على أراضي أحلامنا الهشة.

سأعترف لك بشيء! لم أتقن أبدا فن الوداع، لا لسبب سوى أن أجمل ما يُؤَثتُ حياتي يُسرق فجأة.. هكذا دون سابق إنذار، يختفي بلمح البصر. آسفة لأني لم أودعك! آسفة حقا..من فرط سذاجتي، ظننت أنك ستتجاوزين المرض كالعادة، ستتغلبين عليه بحكمة عالم وصمود جندي. لكنني أخطأت، وقد كلفني الأمر كثيرا. طبعت قبلة صغيرة على جبينك قبل أن ترحلي وكانت آخر قبلة.



لن أنسى ما حييت هذا اليوم الذي وصلني فيه خبر وفاتك؛ أول يوم من العشر الأواخر من رمضان، كنت مستلقية على السرير في منزلنا، أنال قسطا من الراحة بعدما قضيت ساعات لإعداد طعام السحور .، حيث خبأ لي القدر ما لم يكن في الحسبان؛ صوت خالتي الذي يرتجف على الهاتف، دموعي التي انهمرت على الوسادة، جدران الغرفة التي ضاقت فجأة والغصة التي شعرت بها، كمن أفلت حبل نجاته وانطفأ مصباحه.. كل هذه اللحظات لن تُنسئ



لا أنتظر ردا و أعلم أني لا أملك من أمري شيئا ثم أوقن أن في الموت راحة وسكنا لمن رحل و موعظة وعبرة لمن بقي.. لكن الكتابة تهدئ الألم أحيانا

اليوم عدت الئ مدينتك، بعد مدة قصيرة، أحسست وأنا على أرض هذه المدينة الجميلة، أن شيئ ينقصها، قطعة ما فُقدت، رائحة ما اختفت! ظننت أني سأجدها في مكان ما.. للأسف، وبعد أكثر من ثلاث ساعات لم أعثر عليها. كانت أول دروس الحياة وليست آخرها طبعا.. هنا، قريبا من جسدك الطاهر وبعيدا عن روحك الملائكية عنا، الحزن طعمه مؤلم جدا، موجع كطلق الولادة، مر كالعلقم، موحش كظلمة القبر، حار يذيب فولاذ الروح. هنا، بعيدا عن حضن من نحب، نغرق في بئر عميق من الشوق ولا مسلك للتخفيف من قساوة الفقد سوى الدموع.. كي لا نموت اختناقا من طول المسافات. ضججت بالبكاء وأتى إلى ذهني قوله صلى الله عليه وسلم :"أحبب من شئت، فإنك مفارقه".

نعم صانعة الحكايا قد رحلت.. انتقلت المرأة المكافحة والأم الصامدة إلى جوار ربها وأصبحت الأعياد قريبة دون لذة عناق ولا قداسة قُبَل.
جدتي .. لا تظني ولو لوهلة أنك غائبة عن عالمي! لا أبدا. قد أعتاد على ألم فقدانك ولكن ليس على رحيلك، فكلما مر ببالي ذكرى جميلة، أبتسم لطيفك الغائب وأدعو لك من صميم قلبي بالغفران. تهن الروح أحيانا وتتعثر الخطى، فأحاول وأحاول ما استطعت إلى الصبر سبيلا، أدرك جيدا أن الفقد يُبعثر الأماني بين ساحات القبور، إلا أن الاشتياق يُعيد لمَّها بين أكف الدعاء. في المستقبل سأخبر صغاري كل الحكايا وسأروي لهم عنكِ..عن الفارسة التي ترجَّلت عن صهوة الحياة، فعانق جسدها التراب ورفرفت روحها الطاهرة عاليا في السماء..عن التي رحلت عنَّا إلا أنها باقية فينا.



لن أقول وداعا بل إلى اللقاء حين يحين الموعد. كنت زهرة في الحياة الدنيا وأتمناك برعما في الجنة.عليك الرحمة إلى يوم يبعثون. بعدد قطرات المطر، بعدد حبات الرمل وبعدد دقات القلب، أحبك وكفى!
سلام لك ولكل الساكنين بيوتا تحت الأرض..
سلام لكل الذين رحلوا عنا باكرا و دون ميعاد..
سلام لمن يأتون شوقا في المنام، فنكتفي بضمهم بين جدران أحلامنا.. طِبتم بروض الفردوس نعيما.

لا أنتظر ردا وأعلم أني لا أملك من أمري شيئا ثم أوقن أن في الموت راحة وسكنا لمن رحل وموعظة وعبرة لمن بقي.. لكن الكتابة تهدئ الألم أحيانا وعلى حدودها يسكن فؤاد أنهكه الحنين. فالحمد الله على نعمة الإيمان الذي جعل الموت جسر عبور لا نهاية حاسمة، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وبقضائه راضون ولحكمته محبون ومتدبرون.