آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


رعب الشتاء حيث لاوطن في الأفق

رعب الشتاء حيث لاوطن في الأفق

الثلاثاء - 23 أكتوبر 2018 - 10:27 ص بتوقيت عدن

- تحديث/ خاص:



ها أنت أيها الشتاء المجنون تحوم حول جسدي كأفعى جائعة تبحث عن ضحية مكثفة بالحياة. .ها أنت أيها الشتاء تمد أناملك الشبقة لتثقب رئتي وتعبى الحمى جمرة جمرة ،لتطلقها على كل خلية في جسدي .
حين تأتي أيها الشتاء ،يتدحرج الرعب كتلا في جسد الليل ،يتناهي صوت الوحوش من وراء الأكمة ، فيخيل لي أنها قادمة، تصفر الأشجار ،وتسوق صوت صفيرها عنوة لمسامعي،فيتضاعف رعبي ،أفزع ،أمد يدي عسى أجد كتلة قماش أسد بها مسامعي ،لكن لا جدوى ،أمي تغط في نوم عميق ،بعد أن أعتقدت أني غفوت ،وزالت خشيتي،وكانت قدأزاحت يدي برفق من على صدرها ،وابتعدت قليلا بجسدها عني. .. لم أشأ أن أشعرها بأني مازلت أرقا ،ومازلت أتوجس خيفة من أصوات الرعب التي يعزفها الشتاء في الخارج ،ويطغى يصدم بها جدران المنزل المهترئة من الخارج ،ويدلفها مضغوطة من بعض الشقوق .
ها أنت أيها الشتاء الجبان ،تغتصب الهدأة ،وتصطاد الغفوة قبل ولوجها الجفن ،تسكب الوهن والرعب معا في مفاصل الوقت المريض ،الذي كلما سعل ،تداعت له أصوات الضباع خلف الأكمة .
ها أنت أيها الشتاء تداعب الظلمة ،تحيط عيونها بكفيك ،وتسألها: " من أنا" ،فتتلعثم مضطربة خانعة ،ولا رد منها سوى صوت ضربات قلبها التي تتصاعد وكأنها حوافر خيل قادمة توا لساحة الوغى .
ها أنت أيها الشتاء المجنون تحنَّي جسد الليالي بالحالك ،وتنفض أغبرة صيف كان قد عجز عن لمَّها ،قبل رحيله ،بعد أن تناهت له أصوات همهماتك القادمة من وراء الغروب .
ها أنت تأتي ،وأنا مازلت بلا وطن
أربعون عاما أيها الشتاء وأنا أبحث عن وطن ،وكلما أوهمني الصيف بقدومه ،بربت كفيه على صدري ،كي أهدى _جاء موعد رحيله ،فيرحل دون أن يضع حتى رسالة اعتذار ،ثم تأتي أنت أيها الشتاء لتحاصرني لياليك بدائرة من الرعب،تنسيني حتى أني بلا وطن ،وحين ألح بحثا عنه ،ترسمه أمامي أيها المخادع ،كسراب ،ألهث نحوه ،وحين أصل ضامئا إليه _قبل أن أمد ذراعي لعناقه ،تدفع عاصفة مرعبة ومدوية تحول بين ذراعي وبقيعة السراب ،قبل أن تطويها ،فأجدني بين ذراعي الظلمة،التي تقذفني في لجج من الرعب والعويل المخيف الذي ينزف مسامعي ،ويجتاح دمي بغيوم من الرعشة ،ولاشيئ أيها الشتاء_ في الأفق ،سوى صدى قهقهاتك التي تكثف الرعب ،وتدوي كمنتصر كسب المعركة .