آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


الليموزين الحمراء

    الليموزين الحمراء

الأربعاء - 24 أكتوبر 2018 - 02:09 م بتوقيت عدن

- تحديث/ سعيد المحثوثي


مضت أكثر من عشر سنين منذ أن غادر ميمون " الاسكندر الصغير " ما يسمّيه مهد
طفولته وصباه، لم يعد يتذكّر من مرابع نشأته عدا نزر من الشواهد والمشاهد التي
ظلّت عالقة في مخيّلته ولم تفارقها لحظة ربما مؤلمة أو ربما جميلة، فالجميل
والمؤلم من الذكريات لا ينساه المرء بسهولة، هناك في قلب المدينة، وسط الصخب
والضجيج أقامت أسرته وهو لا يزال طفلاً لم يتجاوز العاشرة بينما يسير الآن في عقده الثاني من العمر ..

ميمون شاب متوثّب صاحب رؤى ناجحة وجهود رائعة في خدمة من حوله ممن
يعرف ومن لا يعرف، هو يشارك في العمل الخيري لجمعية الإنسان الخيرية، هكذا
عنوانها، جمعية خيرية لا تعمل أدوارها إلا في مساعدة المكفوفين وذوي الإعاقة
دون أي مقابل لذلك، هكذا هي عائلة الاسكندر؛ أخلاق وتواضع ومحبّة بيضاء واسعة
كالأفق لكل ذي عوز وحاجة .

ذات يوم والشمس تتوسّط حضن السماء وتضرب بأسواط لهيبها وحرارتها ما تحتها
من الأرض؛ كان ميمون يمشي في الشارع العام لمدينته يحمل في إحدى يديه كيساً
من الخبز والإدام بينما يحاول أن يزيح عن وجهه وصدغيه ما تصبّب من عرق في
هذ االجو القائظ، مرّ من أمام إحدى السيّارات الصغيرة وهي تأخذ مساحة الوقوف
على قارعة هذا الشارع الذي ما عرفه مرتادوه إلا بأصوات الباعة المدّوية ( هنا..
إلي.. عندي البضاعة الرائعة، عندنا تخفيضات ستسرك ووو ) بينما أبواق السيارات
لا تكاد تتوقف وسط هذا الزحام من الجماد والبشر.

مرَّ ميمون الأسكندر أمام منطقة وقوف السيّارات ليلمح أحدهم يشير إليه بيمناه بعد
أن أنزل زجاج سيّارته الفارهة، لم يأخذ ميمون إشارة الرجل على وجه الاهتمام؛ إذ
من غير المعقول بنظر الاسكندر الصغير أن يجد في وسط هذا الضجيج والصخب
والجو الملته بمن يناديه أو يستوقفه وإن كان يستظل في كرسي سيّارته الفارهة .
قطع الاسكندر الصغير واجهة الشارع ليصل إلى الناحية الأخرى، وهناك توقف
لحظة بعد أن تيقّن أن وجه من لوّح إليه بيمناه ليس بغريب عنه، هكذا أخذ يحدّث
نفسه : أين رأيته ..؟!، هذا الشخص لا يمكن أن يلوح لشخص مار أمامه وسط
الزحام والصخب دون أن يعرفه !!
من يكون يا ترى ..؟
ومن هذا الذي يركب الليموزين الفارهة ليبتسم لشخص كل
أصحابه ومحبّوه من متوسّطي الدخل وممن لا دخل لهم إطلاقاً ..؟

قرّر ميمون أن يعود إلى نفس الشارع السابق ونفس الناحية، ناحية وقوف السيارات
(parking) لم يبال ميمون بالضجيج والزحام كما كان في سابق يومه، وصل
المكان المطلوب ولم يجد ما يطلبه ، تحرّكت السيّارة الليموزين الحمراء ذات
الزجاجات السوداء من مكانها ولم يعد لها أي وجود في هذا الشارع الذي يصعب
على السيّارات أن تنسل منه بسهولة لزحامه وكثرة من فيه، هناك وضع ميمون يده
على رأسه باستغراب وحسرة شديدين وهو يتمنّى أن يرى ما يريد أن يراه؛ ولكن
ذلك لم يحصل، ولأن الاسكندر الصغير شاب رزين ومتفهّم فقد عاد من حيث أتى ولم
يبد أية علامات للحسرة والندم باستثناء رفعه يده على رأسه ربما يراه الآخرون
تعبيراً منه على التعب والإرهاق ومحاولة إظهار ألمه من سياط الشمس المؤلمة في
هذا الوقت من النهار، في المنزل ظلّ ميمون شارد الذهن والتفكير لا يتحدّث إلا
ليجيب عمّن يسأله أو يطلب منه شيئاً، هذا التصرُّف ليس مألوفاً عن الاسكندر
الصغير صاحب الوجه البهي والبشاشة الجليّة، ذهب والدا ميمون في شرود حول
شروده، ما الذي أصاب ميمون التقي، ولماذا غابت ابتساماته ودعاباته هذا اليوم، هل
لجو اليوم الصيفي القائظ شأن في ذلك ..

ربما.. لكن.. هنا بدأ الوالدان يبحثان عن معرفة سبب وجوم ميمون وسكوته ،
وعندما سألاه لم يفصح عمّا وجد، بل تعذّر بتأثيرات الجو والإرهاق الذي أحياناً
يصيبه إن كان لديه أعمال مكثفة من جمعية الإنسان الخيرية حيث يعمل بلا أجر أو
مقابل.

ولأن الاسكندر الصغير محل ثقة والديه فقد صدّقاه أو ربما حاولا أن يخفيان عنه
قلقهما وتفكيرهما تجاهه ..
مرت الظهيرة ثقيلة على ميمون وهو يتقلّب في صحراء
تفكيره فيما جرى ظهراً، وعندما رنّ هاتف جواله ليخبره مشرف جمعيةا لإنسان
بضرورة الحضور إلى مقر الجمعية؛ لم يتأخّر، طوى كل ما رأى في نهار هذا اليوم
وخرج من البيت مسرعاً بعد إذن والديه امتثالاً لنداء أدبياته وأخلاقه في مواصلة
عمل الخير مهما كان الظرف أو الزمان !!

وصل ميمون إلى مقر جمعية الإنسان الخيرية ليخبره إداري الجمعية بضرورة
المبيت في مقر الجمعية حتى يتسنّى له صباحاً مباشرة عمله.

ـ ما طبيعة العمل يوم غد ..؟! يسأل ميمون، فيجيب الإداري: عندنا بعض
المساعدات من النقود ونريد أن نعطيها من يحتاجها من المساكين وذوي العوز،
سنرسل الشباب .. كلاً إلى قرية، وأنت ستذهب إلى قرية السحابة .. ( قرية السحابة،
قرية بعيدة تعشعش في رأس جبل شاهق؛ وسمّيت بهذا الاسم لعلوها عن نظيراتها من
قرى البلدة( ..
- ياللهول..!! هل سأذهب إلى هناك ..؟!
- نعم ستذهب، وقع الاختيار عليك، وعندما استقلّ ميمون دراجة نارية ليستخدمها
في مهمته؛ لم يكن يعلم أن إطارها الخلفي أصابته الشيخوخة وبدأ في التهالك، خذلته
الدرّاجة وسط الطريق؛ لكن بعد أن أدّى مهمّته. .

جلس الاسكندر الصغير على قارعة الطريق الجبلي منتظراً لعل أحدهم سيمر ويقلّه
إلى مدينته، لم يكن يفكر سوى بالعودة خصوصاً أن الشمس اقتربت من الزوال
وهاتفه الجوّال هو الآخر خذله تماماً، وفجأة لمح ميمون جسماً أحمر آتٍ من بعيد.
- يااااااااااااه.. الليموزينالحمراء ..!!
تتوقف الليموزين الحمراء بجوار ميمون الذي لم يتحرّك ولم يصعد حتى أنزل
قائدها زجاج سيارته ودعاه إلى الصعود؛ ولأن الاسكندر الصغير لم يجد من حيلة
غير هذه فقد صعد والقلق يساوره؛ لأن ملامح هذا الرجل لم تمر على مخيلته كما كان يتوهم ..

ركب ميمون في المقعد الخلفي لقائد السيارة وأركب دراجته المصابة في صندوق
السيارة بعد إذن مالكها، ابتدره قائد السيارة بالسؤال :
ـ ما الذي تصنعه في هذا المكان يا فتى ؟..
- لا شيء ، كنت عائداً من مهمّة إنسانية في قرية السحابة فأصيبت دراجتي بعطل كما رأيت.
ـ رائع.. أنت تعمل في خدمة الآخرين، رائع يا بُني، رائع، رائع )هكذا أعاد صاحب
الليموزين الحمراء لفظة رائع )
ـ أشكرك سيّدي، لكن ألا تسمح لي بسؤالك ..؟
ـ تفضّل على الرحب والسعة، قل ما لديك.
ـ شكراً لك، من أية بلدة أنت وماذا تفعل هنا، رأيت مثل هذه السيارة في شارع
المدينة قبل أيام، هل كنت هناك ..؟!.
ـ نعم، أنا أدعى) منير الطيب ) كنت صيّاداً للضباع في سفر حياتي، تعاونت مع
السلطات في مطاردة مروّجي المخدّرات، ولما تمكّنا من القبض على رأسهم وعقلهم
المدبّر ؛ أهدتني السلطات هذه السيارة، لا تذهب بعيداً، ثم يضحك باستحياء ويستطرد
قائلاً: لست من أثرياء هذه البلدة ولا من أصحاب الجاه، شخص مسكين لم أكن أعرف من الحِرف غير اصطياد الضباع ومطاردتها في الماضي كما أخبرتك .

هنا تعلو ميمون حالة من الاستغراب والدهشة )منيرالطيب( صيّاد الضباع، الرجل
الذي أخبرني والدي عنه أكثر من مرّة، الرجل الذي تعلّم مع والدي في بدايات
دراستهما في القرية ألف باء العربية!! هو مالك هذه الليموزين ..!!.
عجباً..
هذا الرجل لم يكن يشير إليّ عندما رأيته في المدينة قبل أيام؛ بل كان يتحدّث
مع آخر لم أره، لايهم، المهم أن المرء يبقى كريماً بأخلاقه وطيبته.

يصل ميمون بيته ويأبى إلا أن يستضيف صائد الضباع في منزله، وما أن يرى والد
ميمون صديقه القديم حتى يفتح له ذراعيه ويحتضنه بشدّة ويتجاذبان العناق ..!!.
جلس الضيف ووالد ميمون وأمضيا ليلة رائعة وهما يستعرضان مغامرات الطفولة
والصبا؛ بينما عاد ميمون في هذا الجو المتأخّر من الليل إلى مقر جمعية الإنسان
الخيرية ليسلّم إداري الجمعية ما يدلُّ على تسليمه أموال الناس المحتاجين في قرية
السحابة.

لم يتأخّر إلى الغد ولم يؤجّل واجبه، بل نفّذ ما أُمر به دون تأخير؛ لأن الوفاء
والتجرّد، وطاعة أهل الخير مبادئ تعلّمها في صباه ولبنٌ استقاه في طفولته.

* الحاصلة على جائزة تجديد الوعي العربي – الأردن