آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


دموع على خرائب الرملة

دموع على خرائب الرملة

الثلاثاء - 06 نوفمبر 2018 - 06:25 م بتوقيت عدن

- تحديث/ ناصر الوليدي:

خمسة أيام قضيناها في الاجتماع كانت حافلة بكل جميل سواء المحاضرات أو اللقاءات أو السمرات، فهناك تجد العالم كله من أقصاه إلى أقصاه فقد التقيت إخوة من كثير من دول العالم في أفريقيا وآسيا وأوربا وأمريكا الجنوبية، فهذا من جنوبي أفريقيا وهذا من زامبيا وآخر من موزمبيق ومن الصين والفلبين وجاكرتا وجاوة وسيريلانكا وجزر المالديف والبرازيل وفرنسا وغيرها. وجميعهم يفيض حبا وإخاء وحماسا لهذا الدين، ويقص لك الحكايات التي تملأ قلبك يقينا أن (المستقبل لهذا الدين) وأن العاملين لهذا الدين في حركة دائبة متصلة في كل مكان من هذه المعمورة، وأن مراكز الدعوة وأعمالها والتزاماتها بلغت حيث بلغت الشمس.
في ليلة من الليالي كان يصلي بجانبي رجل ستيني ذو لحية اختلط فيها السواد بالبياض وثياب شامية ووجه يقطر تقى ولسان يقطر ذكرا وعسلا، فلما سلم مد يده إلي ليقبض على يدي بكلتا يديه الباردتين ويقول : أخوك في الله ويحبك في الله (محمد الصوالحة) من الأردن، قالها بنبرة شامية موسيقية وكأنه مذيع في برنامج(مساء الحب) الذي تقدمه القلوب المفعمة بالإيمان واليقين.
كانت يدي الصغيرة الباردة بين يديه الكبيرتين تلتمس الدفء من موجات الحب التي يضخ بها قلبه النقي، فيرسلها عبر شرايين المحبة لتتجمع في أيدينا المتشابكة، ولتحول قلوبنا إلى مضخات تتدفق بتيارات الحب المتبادل فتركنا الحديث للمشاعر وصمتت الألسنة.
رفعت عيني إلى عينيه فقلت بلسان أثقلته المشاعر : أخوك في الله ويحبك في الله ناصر الوليدي من اليمن.
-- أهلا وسهلا ومرحبا بأهل اليمن أهل الإيمان والفقه والحكمة أهلا بأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلا بأصحاب القلوب الرقيقة والأفئدة اللينة .
-- أهلا بكم يا أهل الشام يا خيرة الله من خلقه يا من لا خير في الناس إذا فسدت بلادكم .
سألت الأخ الصوالحة :
من أي مدينة في الأردن أنت؟
قال : أنا في الأصل فلسطيني من قضاء الرملة نزح جدي من فلسطين عام ١٩٤٨م، كان عمره آنذاك عشرون سنة، كانت العصابات اليهودية تزحف على المدن فتقتل من فيها وتدمر القرى والمدن وتحرق الزروع والثمار وتهدم البيوت على رؤوس أصحابها فكان لابد من النزوح حيث لم يكن لنا ناصر ولا معين وتعاون علينا العالم كله وخذلنا إخواننا.
كان يتحدث والحمرة تطفو على وجهه، وعيناه ترمقان من تحت نظارته الفضية، وأصابعة متشابكة يفرك بعضها بعضا، لا أدري هل ذلك طلبا للدفء أم أن أصابعه تمثل تلك الاشتباكات التي يحدثني عنها.
قلت : وهل يعني هذا أنك الآن أردني بصورة مكتملة؟
قال : نعم، وهكذا معظم الذين نزح آباؤهم في ١٩٤٨م، فنحن أردنيون تماما وإن كانت أصولنا فلسطينية.
قلت : وهل تستطيع زيارة قريتك في قضاء الرملة؟
قال : من الناحية القانونية ذلك متاح لنا كأردنيين وفق اتفاقية السلام، لكن لن يكون ذلك مني أبدا لأنه نوع من الإعتراف بإسرائيل مع أن بعض الفلسطينيين ذهبوا لزيارة قراهم وحاراتهم التي غير اليهود كثيرا وقليلا من معالمها ولكني لا ألومهم فلهم عذرهم وظروفهم أما نحن فلم ولن نذهب.
ثم استطرد قائلا : لا زالت معنا وثائق أرضنا وممتلكاتنا ولا زال أبي يحتفظ بعملة فلسطينية جاء بها جدي من فلسطين، ولقد حاول بعض الفلسطينيين أن يقنعوا أبي بالذهاب إلى هناك ليعرفهم على قراهم ومناطقهم فرفض رغم إلحاحهم الشديد فلما سألته عن رفضه قال :
يا بني لقد أخبرني الذين ذهبوا إلى هناك أن قريتنا لا زالت على حالها عام الخراب ولم يعمرها اليهود ولم يقتربوا منها إلا أنه لم يعد يسكنها أحد وهي أشبه بمناطق عسكرية مهجورة ويعز علي أن أرى بلدتي وقريتي وبيتي ومزارعي وهي خرائب مغتصبة.
لما قال ذلك قفز خيالي ليرسم المكان فإذا برضوى عاشور تمتشق قلمها وتخط (الطنطورية) وتفتح لي صفحاتها لأقف على تل هناك وأنظر إلى بقايا منازل، وآثار مزارع وخطوط لطرقات تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد، وقرى وسهول تتلفع بالسواد حزينة تبكي على الراحلين وتنتظر القادمين فقد طال عليها الانتظار حتى أوشكت أن تمل البكاء، وكأني أنظر إلى البوم والدبابير والعناكب والهوام وقد طاب لها بين تلك الجدران المقام، وهناك بقايا عظام متحلله لقوم كانوا يوما أهل هذه البيوت وفلاحي تلك المزارع.
ضرب أخي الصوالحة على كتفي حين رأى الدمعات تتدفق من عينين أرهقهما السهر والسفر ضرب على كتفي وقال :
لا تحزن يا ولدي فنحن نعيش على ميعاد لابد أن يأتي، سنعود إلى أرضنا يوما ونصلي في أقصانا السليب .
يا بني علينا أن نكفكف دموعنا ونستمر في إصلاح قومنا ونجتهد في تغيير بيئاتنا ولن يخذلنا الله.
يا بني حين علمت زوجتي أنها حامل دعت الله أن يرزقها ولدا يكون مؤذنا للمسجد الأقصى وأسمته (بلال) ولد بلال ولشدة تعلقي بالأمل رأيت فى منامي أنني أصلي في المسجد الأقصى وبلال يرفع الأذان، نحن نعيش على الأمل وكل فلسطيني له بلال وسعد وخالد والقعقاع وعمرو والزبير ، امسح دمعاتك ياولدي وارفع يديك المبللتين بالدموع إلى مولاك لعلك تكون يوما أو أحد أبنائكم من الزاحفين إلى المسجد الأقصى المبارك.
صافحني الأخ محمد الصوالحة وانتقل واستلقى قريبا مني على بطانيته، جمع أصابع كفيه وشبك بينهما ثم وضعهما خلف رأسه على وسادته ومدد رجليه ثم رفع قدميه على حقيبة متوسطة وأخذ يتمتم بكلام غير مفهوم إلا أنه لم يخلع نظارته.