آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


"ركعة أخيرة يؤديها الحلّاج"

"ركعة أخيرة يؤديها الحلّاج"

الثلاثاء - 13 نوفمبر 2018 - 09:58 ص بتوقيت عدن

- تحديث/ محمد شودب:


أصغيتُ، كانَ لِخَطوِ الرِّيحِ أَجْراسُ
في حضرةِ الغيبِ، لا خَمْرٌ ولا كَاْسُ

كانَ العُلوُّ مَهيبًا، إذْ يُسامِرُنِي
في هدأةِ الليلِ والنَّجماتِ جُلّاسُ

أصغيتُ،
كانَ دخَانُ الذِّكرِ يَسْحَبُني للهِ،
حيثُ صَلاةُ الرُّوحِ قُدَّاسُ

ضاعتْ ملامحُ صوتي في السَّرابِ
فَهَلْ
في جُبَّةِ الشَّيخِ، لي نبضٌ وأنْفَاسُ؟

أَنا صُدوعٌ عَلَى المِرآةِ، أحْدَثَـهَا
شَـكٌّ مُريْبٌ وأوهَامٌ ووسْواسُ

ولي ملائكةُ الأسماءِ تحرسُني
مِنِّي، وخَلفَ غِيَابي ثمَّ حُرَّاسُ

شكَّلتُ مِنْ رَغْبَتِي للهِ مِئذَنةً
نُحُولُها -كقوامِ الغُصنِ- مَيّاسُ

كالسَّهمِ، أُفْضي لكهفِ التِّيهِ في جَسَدِي
فقدْ نفتْنِي عَنِ الأوتْـارِ أَقْواسُ

كالمَولَويِّ، كُؤُوسِي الآنَ فَارِغةٌ
إلَّا مِنَ الوجْدِ، حتَّى ينطفِيْ الرَّاْسُ

أَمضي كأنّيَ حلّاجٌ أَصِيْحُ بهِمْ
منْ عاينَ السّرَّ، أَفْتُوا الآنَ يا نَاسُ؟

يا ناسُ
صُبُّوا على جِسْمي العَذابَ
أنَـا دِرعِي النَّـقَاوةُ,
والأذْكارُ مِتْرَاسُ

وعلِّقُونِي بِصُلبانِ الذَينَ بَكُـوا
كي تَطْهَرَ الرُّوحُ، لو قاسَيْتُ ما قَاسُوا

في الحضرةِ البِكْرِ،
كانتْ لـِي مِلائكةٌ
يَشُبُّ من ضوئِها العُلويِّ نِبراسُ

صلَّيتُ،
كانَ وضُوئِي مِنْ دمِي عَبِقًا
أيُقبَلُ الفَرْضُ مَا لَمْ يُسفَحِ الآسُ؟

وقُلْتُ لـِي:
يا نزيفَ العِطْرِ كنْ مَطَرًا للورْدِ،
مِمَّنْ أذلُّوا الورْدَ أو داسُوا

وطُفْ بكعبَةِ نُسَّاكِ الغِـيابِ، وقُلْ:
يا خَازِنَ العِطرِ، إنَّ الورْدَ حَسَّاسُ

غدًا إذا طُوِيَتْ أرضٌ، عَلَى وجعٍ
طيَّ السِّجِلِّ، كأنَّ الكَونَ قِرْطَاسُ

أُصْغِي، هُناكَ كِنَاياتٌ مُذَهَّبَةٌ
تُضيءُ، والعَرشُ يَاقوتٌ وألماسُ

هُناكَ كَشْفٌ سَمَاويٌّ، تُنيرُ بِهِ
في عَتمةِ الكَونِ، أَفراحٌ وأَعْراسُ

أظلُّ أبْحَثُ عَنهُمْ، عَنْ مَآثِرِهِمْ
وَحْدِي أُجَلِّي لأجْلِ اللهِ مَا آسُوا

وَحْدِي
أَطُوفُ عَلَى حَانَاتِ ذَاكِرتِي
وكلُّ رُوَّادِها فِي الليْلِ نُـعَّاسُ

وحْدي ومِسبَحتِي فِـي الرّيحِ عَارِيَةٌ
إِيقَاعُهَا شَغَفٌ بـَاكٍ، وإِحْسَاسُ

وحْدِي
وآخِرةُ الدَّرْويشِ دمعَتُهُ
إنَّ البُكاءَ بِذكرِ اللهِ إيـنَاسُ