آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


رحلتي إلى بلاد الحرمين

رحلتي إلى بلاد الحرمين

الثلاثاء - 13 نوفمبر 2018 - 11:02 ص بتوقيت عدن

- تحديث/ كتب: ناصر الوليدي

في رمضان من العام ١٤١٩ للهجرة. الموافق ١٩٩٩م وبصورة مفاجئة قررت السفر للعمرة، وهي أول سفر لي خارج البلاد وستكون حتما أول عمره، وكان الذهاب إلى الأراضي المقدسة حلما يراود فكري ،وشوقا يسكن وجداني وحاديا يسوق قلبي.

فهناك قصة الحياة والحب والوجود، هناك مكة المقدسة المهابة مهوى قلوب الأنبياء، ومزار المرسلين ومولد الخاتم الأمين ،ومسكن المهاجرين ومهبط جبريل، هناك الكعبة والحجر الأسود والركن اليماني والملتزم والباب والميزاب وحجر إسماعيل وزمزم والصفاء والمروة وخطى هاجر وإبراهيم وإسماعيل ،هناك منى وعرفة ومزدلفة والمشاعر المقدسة......

هناك المدينة وقصة نشؤ الإسلام وديار الأنصار،هناك القبر والمنبر والروضة والبقيع وأحد وجبل الرماة وودادي العقيق وكل ذكريات الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين....

ذهبت إلى عدن بصحبة رفيقي في هذه العمرة الشيخ (ناصر العود) إمام وخطيب جامع (أورمة) ...

كنت صبيحة أول يوم في رمضان ذاك أول من وقف على بواب إدارة الجوازات، وبعد متابعات في الجوازات والأوقاف كنا نستيقظ لها قبل الفجر بساعة وأكثر، وكان السفر غير مسموح به إلا جوا، انطلقنا في ١٣ رمضان إلى مطار عدن وأذن المغرب ونحن على مقاعد الطائرة وقدم لنا التمر والماء وبعض العصيرات والمأكولات الخفيفة، ثم انطلقت بنا الطائرة إلى مطار الملك عبد العزيز في جدة، وكنا محرمين وهناك عدد كبير في الطائرة محرمون ملبون، وحين كنا في سلم الطائرة رأيت شيخا محرما من (شقرة) ينزل من السلم بصعوبة وابنته تسنده بذراعها ، وما أن وصل إلى صالة المطار حتى سلم الروح لباريها،

ومن المطار استغلينا سيارة باص إلى مكة وكنا نشعر أنها تطير طيرا على أجنحة الشوق، حينما وصلنا إلى جانب الحرم رأيت شيئا مهولا كاد فؤادي المشتاق معه يطيش وبصري يزيغ رأيت جدران الحرم ومناراته وأبوابه والناس من كل الأشكال والألوان، شعرت بقلبي يرتجف من شدة الموقف، حتى ولجنا المسجد ورأيت الكعبة والناس حولها تطوف وتهتف وتتزاحم وتتقاتل هنا أوشكت رجلاي أن تخذلني عن مواصلة المسير لولا أني طلبت من رفيقي أن نجلس قليلا حتى أرد أنفاسي ، وبدأنا بعدها القيام بأعمال العمرة حريصين على تطبيق كل الواجبات والسنن والمستحبات، فطفنا وصلينا خلف المقام وهبطنا إلى زمزم وارتوينا من مائها وصببنا على رؤوسنا وصدورنا وثيابنا ودعونا بالدعوات الصالحات ثم اتجهنا إلى الصفاء والمروة ووقفنا على الصفاء وتلونا الآية وبدأنا بما بدأ الله به، وتراءت لي هاجر وهي تسعى ومكة قفراء خالية فنسيت من حولي وانطلقت أسعى منفردا وكأن المكان ليس فيه إلا الجبال والوديان وهاجر ورضيع يصرخ قريبا منا، وعند الميلين الأخضرين رفعت ثوبي وهرولت وكأنني اهبط في الوادي حتى أنهيت العمرة وحلقت عند حلاق باكستاني قرب المروة وأنا في شبه غيبوبة. لم أعد أتذكر الآن أين صلينا المغرب والعشاء لكني أتذكر أنا أدركنا الشريم وهو يقرأ من سورة هود. ....

فلما وصلنا مكة واستقرينا في الحرم اخترنا الإقامة في البدروم، حيث اخترنا مكانا قريبا من مخرج يؤدي إلى الحمامات والمطاعم ليسهل دخولنا وخروجنا بعيدا عن الزحام، فكنا ندخل من مدخل(الفاروق) وفي هذا المكان يوجد عدد من الشباب من مدينة لودر على رأسهم الشيخ الصالح الزاهد توفيق البلالي حفظه الله، وهذه أول مرة أتعرف فيها على الشيخ توفيق عن قرب ، وعلى ما كان يقول الناس عن توفيق من الخير والعقل والعلم فأشهد الله أني وجدته أكثر مما قيل فيه، وكنا نجلس أحيانا نحن الثلاثة معا (توفيق والجونة وأنا ) وأغلب أحاديثنا عن مسائل العلم، خاصة أبواب الحج والعمرة ووجدت في الشيخ توفيق ما وجدته في الشيخ الجونة وهو ما ينحو إليه تفكيري أيضا ، وذلك هو الميل نحو رأي الجمهور والابتعاد عن الآراء غير المعروفة أو الغريبة، رغم أن السائد الفقهي في تلك المرحلة كان هو مذهب العلامة الألباني رحمه الله تعالى والدعوة السلفية كانت تقلده وتنتصر لاختياراته وكان طلاب العلم في مناطقنا بشكل عام -- وأنا والجونة منهم -- متاثرين بمدرسة (دماج) وهي على علاقة وطيدة بفكر العلامة الألباني وترجيحاته الفقهية والدعوية ، فكنا نجلس مع الشيخ توفيق ونرى هدوءه وسكينته وتناوله الواعي للقضايا الفقهية بعيدا عن إرهاب ذاك الوقت.

وفي تلك الأيام التقينا نحن الثلاثة الشيخ المحقق (مشهور حسن سلمان) حفظه الله تعالى وكانت مع الشيخ توفيق قائمة ببعض الأسئلة التي طرحها عليه، وبقيت أنا والجونة مستمعين وكان الشيخ توفيق يناقش الشيخ مشهور بدقة شديدة تدل على تمكنه في ما يسأل عنه.

وفي ذات يوم سألت الشيخ توفيق عن الفرق بين (ليقولن) المضمومة و (ليقولن) المفتوحة في الآية الكريمة في مطلع سورة هود فوجدت توفيق النحوي المفسر الفقيه،

كنا نجلس أحيانا أنا والجونة منفردين نتبادل أطراف الحديث في شتى أنواع الكلام، وربما نتبادل النكات والمزاح والقصص الطريفة وكان رحمه الله يعجبه ذلك مني، حتى أن ابن خالته كان يقول دائما : ( ما حد يقدر يضحك الخضر مثلك، بالله قولوا لي إيش تقولون؟ ) وفي هذه السنة سجل رحمه الله تعالى طالبا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في كلية الحديث وأخبرني بالأسئلة التي قدمت له كتابة ومشافهة، وعلمت من خلال كلامه أن الدكتور الذي امتحنه مشافهة أعجب به كثيرا وبدقة إجاباته،

وكنا نحضر بعد الشروق في الدور الثاني درس العلامة(ابن عثيمين) رحمه الله تعالى ورأينا من علمه وحلمه وسمته ما يجعلك تدرك أنك أمام رجل من القرون الأولى. رجل حشي علما وحلما مع البشاشة والتواضع، أبيض الرأس واللحية خفيف اللحم جهوري الصوت، معلم رفيق رحمه الله وجمعنا به في دار كرامته.

ونحضر أحيانا درسا في الصحن للعلامة (اللحيدان) رحمه الله تعالى وهو رجل ضخم طوال مهاب جهوري الصوت، ومن المصادفات العلمية آنذاك أن العثيمين في أعلى المسجد يفتي بمنع الجمع بين (الجمعة والعصر) للمسافر في تخريج علمي طويل للمسألة، بينما يفتي اللحيدان في صحن المسجد بجواز ذلك في تخريج علمي مخالف ، ولم يكن هذا الإختلاف يفسد للود قضية. وكان جل الشباب يميلون إلى رأي ابن عثيمين أما أنا فبطبيعتي النفسية المجمهرة كنت مع اللحيدان .

وفي هذا البدروم مع الشيخ توفيق وجدت شابا من لودر(نسيت اسمه الآن ) قليل الكلام ، يظهر في محياه الصدق والإخلاص والعبادة والسمت الحسن يقضي معظم وقته في قراءة القرآن الكريم والذكر والاستماع للدروس ومما قال لي : تصدق يا أخي أني مضيت عشرة أيام في الحرم وما معي ريال واحد ولم أذق لقمة واحدة من أي مطعم وما كان طعامي إلا التمر وماء زمزم، حتى جاء توفيق ومن معه من الإخوة.

وممن كان معنا في تلك الأيام الأخ فضل علي معرج وشاب أردني كان معه لا يفارقه، وبقربنا ولد من زبيد اسمه محمد الزبيدي أخبرنا أنه جاء من زبيد إلى مكة مشيا على الأقدام تحرك في منتصف شعبان وتسحر غرة رمضان في الحرم.

مما كان يشغلنا في ذاك الوقت هو وضعنا بعد رمضان لأنه سيكون غير نظامي فكان علينا البحث عن مكان يأوينا إلى أن يحين الحج ثم نعود إلى ديارنا فما لنا من غاية غير الحج والعودة.

بقينا في الحرم تقريبا خمسة عشر يوما وفي ٢٩ رمضان غادرت أنا و رفيقي الشيخ ناصر العود إلى جدة. وفي ثاني عيد الفطر لحق بنا الشيخ الجونة ومعه ابن خالته صالح عبدالله وأخ من الوضيع اسمه رشيد السعدي

.في جدة شارع سلمان بن سلطان هبطنا من مكة حتى نتشاور ونتداول كيف سنرتب إقامتنا حتى الحج، فنزلنا في مسجد أسامة بن زيد والذي يعمل فيه(جلال الصالحي) ابن خال الخضر مؤذنا.

من حسن تدبير الله وتقديره أني وجدت رجلا من قومنا (ال وليد) يسكن في شقة صغيرة كملحق فوق المسجد وهو الأخ (أحمد الخضر مسعود مقفل) وفرح بي فرحا شديدا واستضافنا عنده .

وكان يقيم في هذا المكان رجل من مودية هو (خالد عبد الله ديمح الميسري)

اكتشفت أن هنا عددا غير قليل من المعاريف من أهل مودية، أجدهم يصلون في المسجد، ثم يجلسون متحلقين هنا وهناك كعادتنا في مناطقنا، والمؤذن يصيح ضاحكا (ياااي ما انتوا في مودية. الوضع مختلف ) ثم يخرجون من المسجد ليقفون خارج المسجد يتضاحكون ويتكلمون، وفي الأخير يأوي الجميع إلى العمارة التي يسكن فيها خالد ديمح، وفي آخر يوم من رمضان ليلة العيد تعرفت على خالد ديمح حيث جاء يسلم علي بحرارة ويسأل عني وعن أحوالي ويرحب بي والبشاشة تعلو وجهه ،وهو يقبض بكفه على كفي ثم يخبرني أن جميع الأخوة هنا سيكون ضيوفه يوم العيد.

مع بزوغ الشمس اتجهنا زرافات ووحدانا إلى مصلى العيد ، بثيابنا المعتادة حيث لم نأخذ احتياطاتنا لشراء ثياب للعيد ولم يكن ذلك يشغل بالنا، إلا أني رأيت خالد ديمح يلبس أحد الشباب من ثيابه ويقسم عليه وهو يصر على الرفض إلا أنه رضخ في آخر الأمر لإلحاح ديمح.

وفي ديوان ديمح أفطرنا وجلسنا نتناول الحلويات والعصيرات وكان معنا شاعر يلقي بعض القصائد والنكت والحكايات وكنا نقارب الثلاثين من مختلف مناطق مودية منهم من يعرفهم ديمح ومنهم من لا يعرفهم.

ثم تناولنا بعد ذلك الغداء وقد بالغ ديمح في إكرامنا وأخجلنا بجوده وعطائه وندائه فلله أبوه.

تبين لي في ذلك اليوم أن هناك ملحقا فوق العمارة عبارة عن غرفة كبيرة وحمام وسطح العمارة يستأجره خالد ديمح للغرباء والعابرين والمسافرين ومن يحب يقيم، يقيم فيه من شاء ما شاء من أي منطقة كان فتجد الناس من شتى قبائل ومناطق مودية رايحين جايين منهم من يقضي ليلة ومنهم أكثر ومنهم من يقيم بشكل دائم كبعض المهاجرين والقريبين من ديمح.

وفي هذا الملحق على سطح العمارة قضيت مع الشيخ الخضر الجونة أجمل وأروع الليالي، ليالي وذكريات لن تمحوها السنون مهما تقادمت

و تعرفت عن قرب على خالد عبدالله ديمح القامة الكبيرة، رجل جمع من الأخلاق والشيم النبيلة ما يذكرك بما كنت تقرأه في كتب الأدب عن العرب القدماء حاتم الطائي وزيد الخيل ومعن بن زائدة وأضرابهم مع التواضع الجم والبساطة الشديدة والبشاشة واللطافة

رجل بذل نفسه وماله وبيته للناس

يأتيه الوافدون ممن يعرفهم وممن لا يعرفهم وتشعر أن الكل أهله وذويه وقرابته.

يقيمون في أعلى العمارة ساكنين مقيمين اكلين شاربين على حسابه وهو بذلك جذلا مسرورا يجلس معهم ويمازحهم ويباسطهم ويشعر بتقصيره نحوهم بل ويدعم المحتاج ويهدي المسافر،

وكان له ولد صغير آنذاك اسمه عبدالله يسير سيرة أبيه ويقلده في شيمه ، سيكون الآن قد تجاوز الثلاثين.

وله أخوان وهما (علي وغسان) من نفس طينته .

حفظهم الله جميعا

وكانت لنا في هذا المكان حكايات مع خالد ديمح وعلي وغسان والشيخ الجونة.

لا زلت أتذكر ظلال تلك الأيام منذ ما يقارب عشرين سنة، واشتم معها رائحة الزمان والمكان واستدعيها من ذاكرتي كما يستخرج الماء من تحت الصخور محملا بالطين أو كما يتراءى الضوء لقنديل يلعب به الهواء على سطح بيت مهجور، لو لم تكن حادثة فراق شقيق روحي الشيخ الجونة لما قويت ذاكرتي على استعادة كثير من تلك الأحداث بتفاصيلها وشخوصها، ولكأنما هذه الحادثة هزة كهربائية عصفت بذاكرتي المرتخية فطاشت أوراقها على حين غفلة لأجدها أمامي مبعثرة وكأنها كتاب فكفكت السنون أوراقه الصفراء وتركتها للهواء يبعثرها في كل اتجاه ، رحمك الله أخي الخضر كم لك من فضائل علي حيا وميتا.

ودعت أخي الجونة ذات مساء وتركته عند الأخوة في ملحق عمارة خالد ديمح حيث رغب هو بالجلوس مع الشباب ورأى أن المقام هنا أنسب له، وكان معه ابن خالته صالح علي معرج ورشيد السعدي وهما اللذان صحباه من الحرم، وممن لازال عالقا بذاكرتي ممن كانوا مقيمين في ذلك الملحق : عصام المجعلي وهو شاب فاضل عاقل خلوق نبيه، وهو صهير خالد ديمح، فكريمته هي زوجة خالد ديمح، والشاعر عمر عبدالقوي مكرش وعبدالله بن عبدالله ،وصادق كريف، وشاب آخر من أهل الشيبة أظن اسمه عبدالله الشيبة ،و مختار الحميد ممرطي، وآخرين.

وقف الشيخ الخضر يودعني بكلمات جميلة وابتسامة صادقة وهو يلح علي بزيارتهم الدائمة، تعانقنا عند باب السيارة ، ثم انصرفت مع أحمد الخضر مسعود الوليدي إلى عزبة أخينا محمد مقشم الوليدي، حيث كان من المفترض أن أقيم هناك حتى الحج.

اخترقنا شوارع جدة متجهين إلى وسط البلد القديم حيث توجد البنايات القديمة والشوارع الضيقة وكأنك تلج من أواخر القرن العشرين إلى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وأمام مبنى قديم وقفت السيارة، فحملت حقيبتي القديمة بما تحويه من القليل من الثياب وبعض الأوراق، كجواز السفر وتذكرة العودة وكتاب تفسير السعدي الذي أستعرته من الشيخ الجونة، ومصحف معي فيه ملحق تفسير الجلالين وهو مصحفي الذي أقرأ منه القرآن الكريم في تلك السنوات، وهذا المصحف أهدانيه عبد الحفيظ الهتاري ابن أخي الشيخ عبد المجيد الريمي حينما كنت طالبا في مركز الدعوة العلمي في صنعاء.

صعدت درجات مبنية من البلك وفتح لنا الباب الأخ مسعود مقشم الوليدي واستقبلنا استبالا حارا فاختطف الحقيبة من يدي وأدخلني الدار حتى أجلسني على السرير وأخذ يرحب بي ويسألني عن الأخبار والبلاد والحرم، بينما استأذن أحمد الخضر للانصراف ليعود بعد ذلك في وقت متأخر.

كانت العزبة عبارة عن غرفة كبيرة مربعة مرتفعة السقف الخشبي تبدو قديمة وإن كانت نظيفة فيها سريران وتلفزيون قديم ليس فيه إلا القناتان السعوديتان 1 و 2 . وأظن تلك الأيام لم تكن فشت في السعودية الصحون والديشات ، وأمام باب الغرفة الكبير صالة مفتوحة إلى السماء فيها دواليب من الخشب وعن يمينها حمام مسقوف بأخشاب ملقاه بطريقة عشوائية، و بجانب الحمام نافذة في الجدار تطل على حوش كبير مليء بالأخشاب القديمة التي أكلت بعضها الأرضة، ومخلفات من أدوات كثيرة مستعملة. عرفت فيما بعد صاحب العزبة وهو رجل سبعيني حضرمي مجنس خفيف اللحم حاد النظرات ساخط غضوب حاد الطباع ، لعله الآن قد رحل عن دنيانا.

تقع هذه العزبة في شارع البلد خلف الكندرة بالقرب من جدار مقبرة يحيط بها سور ضخم مكتوب عليه (مقبرة أمنا حوى) وقريب منا مسجد متوسط قديم، يفصل بيننا وبينه شارع صغير، وفي هذا المكان غير المأهول كثيرا توجد اتصالات وعدد من المحلات التجارية ومطعم لبيع الفول يقوم عليه رجل أفغاني ،ومطعم آخر حديث، ولا يبعد عنا كثيرا مسجد ضخم جديد يسمى (مسجد ابن لادن) كنت أصلي فيه الجمعة، وإذا دخلت هذا المسجد ستظن نفسك في مدينة المكلا، فمعظم الذين فيه حضارم وأغلب اللباس فيه الفوطة والشميز الحضرمي وشعائره تقام على المذهب الشافعي وتلاحظ فيه الروح الصوفية.

في هذه العزبة قضيت أكثر من عشرين يوما حتى حصلت غلطة الشاطر والتي غيرت مسار الخطة المرسومة.

بعد أن استقر بي المقام في عزبة ال وليد في جدة القديمة ظننت أني قطعت شوطا كبيرا في تحقيق أمنيتي التي خرجت لأجلها من داري وأصبحت قاب قوسين أو أدنى من أداء فريضة الحج، وكانت أعمال الحج وشعائره هي الشغل الشاغل لفكري فكانت معي كتيبات في ذلك منها كتيب للعلامة الألباني والعلامة ابن باز وكتيب للقحطاني وبعض الأوراق المصورة للمناسك، فاختلط شوقي للشعائر والمناسك بقلقي من شرطة الجوازات أن تداهمنا أو تقبض علي في طريق خرجاتي القليلة، حتى أثر ذلك على أحلامي فكنت كثيرا ما أرى في منامي أني في الحج أتنقل من مكان إلى آخر وربما أرى أنه يحال بيني وبين الكعبة، وأرى كوابيس مزعجة كلها تشير أنه سيحال بيني وبين حج البيت.

وعلى ذكر الرؤى والأحلام فقد رأيت فى هذه العزبة رؤيا جاءت كفلق الصبح، حيث رأيت أني جالس أفطر في بيتي في القرية وفجأة جاء طفل صغير فجلس على فخذي وطوق بيده رقبتي، فقلت له : من أنت؟ قال : أنا محمد ابنك، أنا محمد ناصر محمد الوليدي، ما عرفتني يا أبه. قلت ::لا ما عرفتك، لكن فيك شبه من أولاد عمي أحمد سالم.

رأيت هذه الرؤيا ولم تكن زوجتي حاملا.

وبعد عودتي إلى البلاد بسنة وأكثر ولد محمد فكانت صورته هي نفسها التي رأيت فى المنام وكان ولا يزال شديد الشبه بأولاد عمي أحمد سالم حفظهم الله.

لم يكن لي هم ولا هاجس ولا انتظار إلا الحج ولم يكن يؤرقني شيء غير شرطة الجوازات ، وكان الأخ مسعود مقشم يطمئنني دائما أن المكان بعيد وسط البلد وقلما تمر سيارات الجوازات من هنا، وهذا ما يشجعني أن أصلي المغرب في المسجد القريب وأجلس هناك حتى صلاة العشاء وأخرج أحيانا أشتري الغداء أو العشاء وأصلي الجمعة في مسجد بن لادن، وكثير من هذه الخرجات أشعر أنها تزيل عني ملل حبسي في البيت، وكان معلقا في جدار الغرفة تقويم سنوي، فكنت أنظر إلى الأيام المتبقية وربما قطعت بعض الأوراق استعجالا لنهاية الأسبوع لعل ذلك يعجل بنهاية الأشهر لتوصلني إلى الحج والعودة.

في هذه العزبة انقطعت علاقاتي واتصالاتي بالأهل حيث لم تكن في القرية اتصالات، وكذلك انقطع تواصلي مع الشيخ الجونة ومن معه. وبقيت حركتي تدور من العزبة إلى المسجد إلى المطعم، اللهم أنا خرجنا يوما جميعا إلى خارج جدة وزرنا مكانا لمزاين الإبل وشربنا من ألبانها فكان طعمه مالح غير مستساغ.

وليلة أخرى قمنا بزيارة أخينا فيصل الحاج الوليدي وكان إمام مسجد في جدة لا أتذكر غير هاتين الخرجتين.

أما برنامجي في العزبة فكان مابين النوم والقراءة والجلوس مع مسعود لأنه كان في تلك الأثناء بدون عمل، فإذا أذن المغرب توضأت في البيت وقطعت الشارع الصغير بحذر شديد إلى المسجد فأصلي هناك، وتوجد في مقدمة المسجد من جهة اليسار مكتبة متوسطة فيها كتب متنوعة فكنت أصلي دائما خلفها فإذا انصرف الناس من الصلاة أسحب منها كتابا وأقرأ فيه حتى تقام صلاة العشاء، ومما أتذكر أني قرأته في هذا الوقت المجلد السابع والعاشر من(سير أعلام النبلاء ) للذهبي رحمه الله تعالى وكتب صغيرة أخرى. وربما كنت آخذ الكتاب من المكتبة إلى البيت دون إذن أحد ،فقد لا حظت أن المسجد ليس له إمام منتظم. وفي المسجد حلقة تحفيظ يديرها شاب باكستاني يذهب معظم وقتها فوضى وصراخ ولعب .

وفي هذه المكتبة أن لم تخني الذاكرة وجدت كتاب (صفحات من صبر العلماء) لأبي غدة رحمه الله تعالى. فأخذته إلى البيت وقضيت الليل كله معه حتى أذان الفجر، فيه من الأخبار والنوادر والفوائد ما ينسيك نفسك وهمك ووضعك، فحلقت مع أبي غدة في شوارده ونوادره وأخباره ، وكانت لي مع أبي غدة معرفة من خلال كتابه (قيمة الزمن) وكتابه (العلماء العزاب) ومر بي اسم أبي غدة من خلال خلافاته العلمية والفكرية مع الشيخ الألباني رحمهما الله جميعا.

جلوسي الكثير في المسجد بين المغرب والعشاء لفت ملاحظة شاب كان يصلي دائما في المسجد فكان يعرج علي قبل خروجه فيصافحني ويسأل عن حالي ثم ينصرف، تكرر ذلك منه عدة مرات، وذات ليلة صلى المغرب قريبا مني ثم زحف حتى جلس بجانبي فصافحني ثم قال : أنت يمني؟ قلت نعم. قال : مجهول؟ قلت نعم. قال : تنتظر الحج أو العمل ؟ قلت الحج. قال : قم معي إلى البيت بانشرب شاهي. أنا حضرمي.

لم يكن بيته يبعد كثيرا عن عزبتنا، صعدنا درجا ضيقا حتى ولجنا غرفة منفصلة عن بيته تغطي معظم جدرانها الكتب فجلست ،أقلب طرفي في هذه الحدائق مما لذ وطاب ودخل هو البيت وأحضر براد شاي أحمر وجلسنا نتكلم عن اليمن والحج والجوازات، حتى جاء شاب آخر جداوي وجلس معنا وغير مسار الحديث إلى موضوع المال والأعمال، فأخذت أنا أتأمل الكتب وأقلبها وأجرع من الشاي ، فلما انصرف الشاب قال صاحبي: أتدري؟ صاحبنا الجداوي هذا كان أبوه مليونيرا فتحول إلى مديونير، شب حريق في مستودعاته فأتى على كل ما فيها.

ولما أذن العشاء طلبت الانصراف ، لكني أستعرت كتاب (أعلام الموقعين)لابن القيم وهي المرة الأولى التي أقرأ فيها هذا الكتاب ورقة ورقة، فقد أنكببت معه ليل نهار لا يفصلني عنه إلا صلاة أو طعام أو شراب أو مالابد منه.

ثم عرض علي هذا الأخ قراءة كتب هو أقترحها لي وهي كتاب

(أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره) وكتاب (مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله) كلاهما للشيخ ربيع المدخلي. وقد قرأتهما ورقة ورقة .ومن خلال هذه الكتب سيتبين أن هذا الأخ متأثر بالمدرسة المدخلية، وأنا أيضا في تلك المرحلة لم أكن بعيدا عنها كثيرا، إلا أن قلبي أنكر مافي هذين الكتابين من التهويل والتمحيل والظلم وتنزيل الكلام غير منازلة، ولعل معرفتي السابقة لسيد وقراءتي لبعض كتبه ساعدتني في نقد وتمحيص ما في هذه الكتب، على أن سيد قطب رحمه الله تعالى كغيره من المفكرين والكتاب والمفسرين والدعاة لا يخلو من أخطاء فلو اقتصروا عليها وعالجوها بطريقة علمية راقية لانتفع الناس بها، لو أنهم فعلوا ما فعل الدويش في (المورد الزلال) وكما فعل غيره من الباحثين لكان في ذلك خير كبير.

هذا الصديق الحضرمي سيكون له حضور في الأحداث القادمة، وهو داعية معروف اليوم يعرفه معظم الدعاة في عدن وحضرموت وكانت لنا معه قصة في مودية أنا والشيخ الجونة رحمه الله تعالى.

لا زالت ذكريات تلك الأيام ماثلة أمامي وكأني أراها في شريط فيديو باللونين الأبيض والأسود، فتستوقفني بعض لقطاتها لأمعن النظر فيها وأتأمل ما وراءها واستحضر تفاصيل كواليسها، فقد سارت تلك الأيام بطيئة رتيبة كأيام الانتظار الطويل، فكنت أنفق ساعات ليلي ونهاري منتظرا مطلع ذي الحجة لأفوز بحجة الإسلام ، والتي لحظت في التقويم المعلق في الجدار أنها ستكون يوم جمعة، ومما قرأت في كتاب زاد المعاد لابن القيم في باب (هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج) أن للحج يوم الجمعة فضيلتين :

الأولى : أنه يجتمع فيه فضل الحج وفضل يوم الجمعة.

الثانية : أن ذلك يصادف حجة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كانت يوم الجمعة.

كان الشوق يحدو قلبي ويصبرني ، وأحسب ما تبقى من الأيام لتتم سعادتي.

مابين القراءة وتبادل أطراف الكلام مع أصحابي والمسجد تمر تلك الأيام ثقيلة مملة، كنت أحيانا أتابع نشرة الأخبار في التلفزيون فتزيدني مللا إلى مللي، فمعظم ما فيها استقبالات الملك وزياراته وأخباره ولا أصل إلى الأخبار الخارجية إلا بعد تلك المشاهد الطويلة من المهنئين والمسلمين والزائرين، وفي ريموت التلفزيون خاصة كنت أستطيع من خلالها أن أستمع إلى إذاعة القرآن الكريم، فكنت أستمع إلى بعض التلاوات الجميلة و البرامج الممتعة مثل برنامج ( عندما أبصرت الحقيقة) وفي هذا البرنامج لأول مرة سمعت قصة اعتناق النصراني المصري الحاج (عبده إبراهيم) الإسلام وهي قصة جميلة وعجيبة وقد نشرتها منذ سنوات على صفحتي في الفيس بوك والحاج عبده إبراهيم هو أبو الإقتصادي الإسلامي الشهير (عيسى عبده) الذي يلقب (أبو البنوك الإسلامية )، وسمعت قصة إسلام المستشرق المجري جرمانوس والذي نشرت قصته أيضا في صفحتي على الفيس بوك، و غيرها من القصص النادرة .

وكانت معنا في العزبة إذاعة صغيرة كنت أضعها أحيانا قرب أذني وأقلب موجاتها بصورة عشوائية لعلي أجد شيئا يطرد مني ملل الانتظار، وفي ليلة من تلك الليالي وقبيل الفجر وقعت يدي على إذاعة صوت العرب من القاهرة، فقدمت برنامجا معادا، فإذا المذيع يقول : عزائي المستمعين لقاؤنا الليلة سيكون مع سيدة الغناء العربي السيدة أم كلثوم ، فأخذت أستمع إلى اللقاء، وكان المذيع يسالها : سيدة أم كلثوم أنت فاجأت الجمهور في أسبوع الغناء العربي في باريس، كان الجمهور ينتظر أغانيك العاطفية، ولكن الذي حصل أن كل الأغاني التي قدمتها كانت أغاني دينية البردة وإقبال وموشحات دينية أخرى ؟

فقالت : شوف يا ابني احنا مسلمين ولازم نعتز بدينا، وأنا لما رحت هناك قلت لازم أقدم حاجة من ذا النوع، بتصدق يا ابني، إني لما باشوف الحجاج في مكة باعيط باعيط باعيط. ..الخ كلامها.

فصادف كلامها عن الحج هوى في نفسي.

هكذا كانت تقضى أيامي تلك، وكان وجود مسعود مقشم معي في العزبة بدون عمل يخفف كثيرا من الفراغ الذي أعيشه والانتظار الذي أقف خلف بوابته، مما أتذكر أن أخي مسعود قص لي قصة من طفولته سبق لي أن سمعت هذه القصة من أمي أكثر من مرة، وكان مسعود هو بطل القصة، حيث أخبرني أنهم في طفولته جاءوا من قريتهم كوكب التي تبعد عن قريتنا أورمة مايقارب خمسة عشر كيلو، جاءوا بدوا رحلا ،طلبا للقطر والمراعي وأقاموا قريبا من أرضنا، وبينما هو يسير في أطراف (الجربة) وقعت قدمه في فخ (محناب) وضعه أعمامي لبعض الحيوانات، فأطلق صرخاته وبكاءه الذي ردد صداه جبل عطاء فلم ينقذه غير أمي التي كانت قريبة من موقع الفخ، فكان أحمد الخضر يستمع إلى القصة ويطلق ضحكته المجلجلة في الغرفة ويكررها دائما، وأحمد الخضر هذا لم أكن أعرفه من قبل فقد هاجر إلى السعودية في مطلع الثمانينيات وأنا مازلت طفلا، لكني أعرف أباه وإخوانه وخاصة أخاه الدكتور مسعود الخضر وهو طبيب معروف في مودية وصاحب عيادة رحمه الله تعالى، فقد كانت حبال الود بيني وبينه وبين أبنائه موصولة ،وجد أحمد الخضر هو (مسعود بن مقفل) من كبار شعراء دثينة وهو صاحب البيت الشهير الذي تحفظه دثينة كلها والذي قاله في زامل بحضرة المندوب السامي البريطاني :

ماشي معي سلطان ياسبلة علة

سلطاننا صياح سودان المتون

معنا ولاية شورها في كورها

تحكم على امصوران لما يسمعون.

ويقصد بذلك(ولاية دثينة) ولهذا الشاعر قصائد حسان سمعت أن حفيده فهمي مسعود يسعى لجمعها وطباعتها فليته يفعل.

من اليوميات التي وقعت في تلك الأيام أن مسعودا كلما دخل عمل سرعان ما يتركه حيث لم يجد العمل الذي يناسبه، فهو يحمل شهادة صحية يتمنى أن يجد عملا يتناسب معها، لكن كانت لديه إشكالية في الجواز حيث لايتطابق اسمه في الجواز مع اسمه الحقيقي فقد احتاج إضافة لقب (القميشي) إلى اسمه لحاجة ضرورية، وكان دائما يقول لي : ادع لي ياشيخ ناصر أن أجد عملا يناسبني، فكنت أقول : يارب ما تحصل عمل حتى أسافر. فيضحك مني... ولكنه ينسى ويعاود طلبه وأعاود دعائي .

كان أحمد الخضر يعود إلينا بعد منتصف الليل فيرفع صوته مناديا ضاحكا مقهقها من خلف الباب، وكثيرا ما يعود بشيء نأكله ونسمر عليه، وفي ليلة من الليالي، ما أن ولج الباب حتى أخبرني أن عمي سند اتصل يسأل عني ويطمئنني أن الأهل كلهم بخير ويسلمون عليك، كان أثر هذا الاتصال علي عجيبا، وكأنما قمت بزيارة خاطفة إلى قريتي. فمنحني طاقة من الراحة والقوة والسعادة.

استمر هذا الوضع حتى يوم ٨ ذي القعدة، الساعة العاشرة مساء، حيث خرجت بسبب أثر اتصال عمي لأتصل بعدن أسأل عن تفاصيل أخبار الأهل ، فسعيت إلى محل اتصالات قريبا منا، ووقفت أنتظر خروج متصل كان في الكبينة.

وهنا وقفت سيارة الجوازات عند بوابة الاتصالات وأخذ الجندي يتملأ وجوه الموجودين، فحاولت أن أحافظ على هدوئي وسكينتي، فتأخرت قليلا وجلست على كرسي من البلاستيك، لكن كانت عين الجندي خبيرة فترك كل الموجودين ووقف أمامي وقال : هويتك؟

رغم أني ألبس اللباس السعودي بكل تفاصيله بما في ذلك الكوفية البيضاء تحت الشماغ الأحمر مع(المثلث) الذي تصنعه الكاوية في مقدم الشماغ.

وقفت بكل قوة وثبات وقلت: الهوية في البيت .

قال : أنت سعودي؟

قلت : من الجنوب.

فتردد حتى كاد ينصرف، لكنه عاد ليقول : أين بيتك؟

قلت : قريب جدا من هنا.

قال : هيا تعال خذنا للبيت لنتأكد.

فمشى معي على قدميه إلى العزبة وصاحبه يقود السيارة بجانبنا حتى وصلنا العزبة، فأوقفوا السيارة وصعدنا إلى العزبة ففتح لنا مسعود الباب فأصيب بارتباك شديد، أما أنا فقد سلمت أمري إلى الله، وفي وسط الغرفة وقفنا نحن الأربعة نتجادل، ونحاول اقناعهم أن يغضوا الطرف عني بعد أن تبين لهم أني (متخلف من رمضان) لكنهم رفضوا التفاهم معي وأنا أشرح لهم حقيقة بقائي هنا وانتظاري للحج ، بل ولوحت لهم أن أعطيهم المائتين الريال السعودي التي بقيت معي، لكن لا فائدة :

نظام يعني نظام.

هناك طريقة نظامية للحج

لا زلت أتذكر هذين الجنديين أحدهما اسمه (نايف) وكان شابا أبيض ممتلئا له شعر في لحيته بدرجة واحد أو اثنين بالمكينة ،دائري الوجه حسن الهندام تختلط كلماته بابتساماته ، كان يعلق في حزامه جهاز الاتصالات (البيجر) ، أما الآخر اسمه (أحمد) طويل أسمر منحن القامة غائر الخدين والعينين شعره مهلهل من تحت طربوشه .

حين يأست أن يتفاهموا معي طلبت منهم الجلوس على السرير حتى أرتب بعض أشيائي، فجلس أحمد بينما بقي نايف يدخل ويخرج.

هنا جمعت ملابسي وأوراقي في حقيبتي السوداء، وطلبت من مسعود أن يرسلوها مع أول مسافر إلى اليمن، وأخرجت كتاب تفسير السعدي وتناولت القلم وكتبت في صفحته الاولى (الخضر الجونة) وطلبت من مسعود أن يوصله للجونة، وهنا تدخل الجندي وأخذ مني الكتاب ليتأكد مما كتبته فقرأه ثم أعاده إلى مسعود، كان الجندي يستعجلني في الخروج ويمسك بيدي، فسحبت يدي منه وعانقت مسعود فاحتضني مودعا والحزن يتغشى محياه والارتباك يملأ قلبه.

وكمجرم مطلوب للعدالة نزلت من الدرج والجندي يمسك بيدي لأجد الباب الخلفي (للجيب) مفتوحا فأصعد في سيارة الجوازات ويغلق الباب ، ويمتطي الجندي سيارته ويدوس على البنزين منطلقا في شوارع جدة باحثا عن صيد جديد.

ها أنا أقبع في الكرسي الخلفي لسيارة الجوازات ولم يغن الحذر من القدر، فكم هي التحذيرات التي تلقيتها من كل من لقيت في رحلتي تلك، وكم هي التعليمات والإرشادات، سواء كان في اللباس وأوقات الدخول والخروج والتحرك بل وحتى في كيفية المشي ونوع الحذاء، وكيف أواجه المحذور إذا وقع ، وكم هي القصص التي سمعتها عن فلان الذي قبض عليه وفلان الذي هرب في أزقة المدينة وفلان الذي فلت بأعجوبة وفلان وفلان، كل تلك القصص والأخبار لم ينفع منها شيء في لحظة خطأ كان ثمنه الزج بي إلى هذا الجيب كمطلوب خالف النظم واللوائح، هذا (الجيب) كما يسمونه ، رأيته عدة مرات، وعرفني الشباب على شكله ونوعه، وأنه هو المختص في القبض على (المتخلفين)أو (المجهولين) وكانوا يؤكدون علي أنه وحده المختص فقط(شرطة الجوازات) فلا تعبأ بأي سيارة أخرى من سيارات الشرطة لا الدورية ولا شرطة المرور ولا شرطة الطرق فهم غير مختصين ، فقط عليك أن تتنبه من جيب الجوازات الذي يشبه لونه البرق كما قال يوما عمر مكرش ضاحكا، وهذا ماجعلني مطمئنا وأنا أمر أحيانا بالدورية أو تمر جنبي، بل أني يوما تأخرت في الخروج إلى صلاة المغرب حتى صلى الناس، فوقفت أصلي وسط المسجد ليقف خلفي عدد من المصلين يصلون بصلاتي وحين سلمت فوجئت أني أصلي بجنود الدورية الذين أكملوا أذكار ما بعد الصلاة ثم انصرفوا.

كانت تلك الخواطر تعبث بفكري وأنا في (الجيب) فما كان مني إلا أن أغمضت عيني وفتحت كفي وغمست وجهي بين كفي خاشعا داعيا مبتهلا، ومما أذكر من دعائي الطويل الذي لم يقطعه إلا جدل الجنديين لأعود إليه أني كنت أقول :

" اللهم إن الأرض أرضك والملك ملكك والحرم حرمك والعباد عبادك والقلوب بيدك فلا تحرمني من حج بيتك. ... الخ "

كانت السيارة تقطع الشوارع بسرعة وتتنقل من شارع إلى شارع تحت أضواء الليل، فتختلط مشاعري بتلك الأضواء المتراقصة خارج زجاج السيارة، ها أنا الليلة أخرج من جدة المدينة الساهرة على ضفاف البحر، أخرج منها مرحلا وأنا الذي هبطت في ترابها منذ شهرين فرحا جذلا مسرورا لا تكاد تحط قدماي على ترابها، جئتها محلقا بين السحاب يحملني نسر كما قال البردوني ، رأيت أضواءها الجميلة المنظمة حين قاربت الطائرة تحط في المطار، لكني الليلة ألقي نظرة الوداع على شوارعها وأزقتها وحوانيتها وعماراتها وفنادقها ومطاعمها، وكأن سيارة الجوازات تعمدت أن تمر بي في كل تلك الأماكن لأودع حبيبتي جدة التي لم أرتو من عناقها يوما حيث حيل بيني وبين وصالها، وحبست في تلك العزبة القديمة بين الأخشاب والمخلفات والفئران، و خلف جدران الأمل كنت أعزي نفسي أني قد أديت عمرة رمضان وهي تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتعرفت على مكة المقدسة وصليت في الحرم الكثير من الصلوات حيث تعدل الصلاة مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، ثم يجتاح نفسي خاطر سعيد كأنه نسمة باردة تهب في نحر الصيف الغائظ ، حين أشعر أني على كل حال سأعود إلى الأهل الذي طال شوقي لهم، ثم يعصف بخاطري خيال عودتي إليهم بغير حج ولا هدايا ولا ماء زمزم.

يالله أرحم جوانحي المعذبة.

ثم أعود للدعاء والابتهال ومجادلة الجنديين ليطلقا سراحي، فأشعر أن لا أمل في النجاة من براثنهما فأعود إلى خواطري، فاتخيل نفسي وقد قذف بي في سجن الترحيل لأبقى هناك أياما قد تطول، حتى يجدوا فراغا في الطائرة التي ستلقي بنا في مطار صنعاء، كما ألقت بعبدالدائم العود، بعد عيد الفطر ،فاتصل بخالد ديمح من شارع المطار يخبره أنه قد رحل.

يااااه هل سيكون مصيري مصير عبد الدائم؟ .

وجهت كلماتي للجنديين فقلت لهم : ماذا يضركم لو تركتموني أحج بيت الله، وأعاهدكم أني أعود بعدها إلى هذه العزبة لتلقوا علي القبض؟ فكان ردهم مكررا: يا أخي هذا نظام، بإمكانك أن تحج بطريقة نظامية عبر الطرق الرسمية، نحن هذا عملنا.

قلت : إني لا أريد أن أنافسكم على دنياكم ولابلادكم، وأنا ولله الحمد في كفاية حيث أني موظف في بلدي ،ولا أبحث هنا عن عمل ولا إقامة. فقط استصعب علي الحج بالطرق الرسمية فسلكت هذا الطريق الأسهل والأيسر، فلاتحرموني من الحج فما بقي إلا شهر وقد مضى الكثير. ..وطال الكلام والجدل والنقاش بيننا حتى برموا مني وبرمت منهم.

ومازالت السيارة تمخر الشوارع المتعرجة تحت أضواء الكهرباء وجدة سهرانة على بساط شاطئها في ذلك الليل لم تعبأ بذاك الغريب الذي يمشي على ظهرها حزينا بائسا يتخطفه اليأس والرجاء.

توقفت السيارة فجأة أمام مطعم ضخم مليء بالضجيج والأضواء، فاقتحم أحد الجنديين المكان، فلم تمض لحظات حتى خرج من بين الزحام ويده ممسكة بذراع شيخ مصري أظنه تجاوز الستين، فلم يمهله حتى فتح الباب وقذف به بجانبي وهو يصرخ ويبكي، ويقول : حرام عليك يا ابني، أنا عمري مارحت القسم، في صراخ طويل أفسد علي خواطري وحواري مع الجنود، فلم يتح لي فرصة الكلام معهم، لدرجة أنه أخذ يبكي ويطلب مني أن أشفع له، وكان يقول بلهجته المصرية : ما تأول لهم حاجة يابني أرجوك أنا زي أبوهم.

عندها ضاقت علي الدنيا وتبعثرت خواطري ولم أستطع حتى الدعاء الذي لم أتوقف عنه لحظة .،فوضعت أصابعي في أذني أخفف من إزعاج الشيخ لي. لكن أملي في الله لم ينقطع فبقيت أستغفر وأسبح.

وما زالت السيارة تسير بنا من مكان إلى مكان حتى سمعت رنين (البيجر) فكان على الدورية أن تبحث عن مكان اتصالات لترد على إشارة المتصل هذا عبر البيجر، فلم تمض مسافة حتى كانت السيارة واقفة أمام الاتصالات ،فنزل صاحب البيجر واتصل، فلما عاد لم يصعد السيارة بل وقف متكئا عليها بيني وبينه الزجاج، ثم دعا صاحبه فأخذا يتبادلان الكلام عني فسمعته يقول لصاحبه : كيف من المطوع؟

هنا شعرت أن الأمر نزل من السماء وامتلأت نفسي ثقة بأنه سيطلق سراحي وأعود إلى عزبتي وأبلغ عرفات ومزدلفة ومنى. .

لكن السيارة مضت في طريقها وأخذت تتلوى في شوارعها فتلج شارع ثم تفارقه لتلقينا في شارع آخر .... وهكذا حتى وقفت، وترجل الجندي (نايف) وفتح الباب الخلفي لأجد نفسي أمام باب العزبة، فيأمرني بالنزول ثم يردف قائلا :

انتبه مرة ثانية يا يماني خلي إقامتك في جيبك.

وشعرت أنه يريد أن يسمع الشيخ المصري تلك العبارة، وضعت قدمي على الأرض فصافحته وشكرته فقلت له مبتسما : الآن عرفتوا المكان .

قال : لا . لا تقلق، أنت حج ولا تنسانا من دعائك وإذا حججت عد إلى بلدك.

انطلقت السيارة مخلفة وراءها صوتا وعددا من الرجال تجمعوا حولنا . فانطلقت أجري لأطرق الباب فيفتح مسعود غير مصدق ويصرخ : مش معقووووول

كيف فكوا لك؟

ايش عملت لهم؟

ايش قرأت عليهم من آية؟

وسهرنا تلك الليلة جميعا وهم يستمعون حكايتي مع شرطة الجوازات وقصة الشيخ المصري.

مضى على تلك الليلة ثلاثة أيام فقط، وفي ضحى ١١ ذي القعدة وقع مالم يكن في الحسبان.

طرق الباب طرقات قوية فذهب مسعود لينظر من فتحات الباب وثقوبه الكثيرة ليرى سيارتين للجوازات واقفة عند الباب والجنود يطرقون الباب ليقتحموا العزبة، فهرع إلي مرتجفا : الجوازات. الجوازات، كيف نعمل؟

أما أنا فقد التصقت بفراشي الذي كنت نائما عليه وغطيت وجهي بلحاف خفيف كنت ألتحف به واقتحم أربعة من الجنود المكان.

كانت لحظات مريرة تلك اللحظات التي شعرت فيها بفقدان الأمل، بل وشعرت فيها بضعفي ويأسي واستسلامي، وأصبح أمري رهن إشارة من جندي يملك قرار ترحيلي . كان الجنود يدورون في العزبة ويتطلعون من النافذة المطلة على الحوش ويفتشون المكان علهم يجدون صيدا آخر غير ذلك الشاب النائم المستسلم على فراش اليأس، كنت أحاول أن أتطلع من خلل اللحاف لأنظر إليهم، لكن كثافة اللحاف لم تتح لي ذلك، فبقيت أنصت لكلماتهم وقرع نعالهم ، وفهمت أن منهم من جلس على السرير وسمعته يكلم مسعودا، ويقول له : هذا النائم هو المطوع؟

قال : نعم.

الحقيقة إني لم أكن نائما قبل اقتحامهم العزبة بل كنا نشرب شايا صنعته أنا بيدي، ولم يكن هروبي إلى الفراش واللحاف إلا كلجؤ الطفل إلى إغماض عينيه ليختبيء من شيء يفزعه، وربما أن الجندي بخبرته لحظ كأس الشاي بجانب فراشي وهو لازال ساخنا يتصاعد منه البخار، لم يكن أمامي إلا الدعاء الذي كان رفيقي طول رحلتي، ومن تحت لحافي كانت ابتهالاتي تصعد إلى السماء يحملها الرجاء وتطير بها الثقة التي ليس لها حدود.

سمعت الجندي بعد أن أكملوا تفتيش العزبة يقول لمسعود :

خل المطوع ينام، ونحن با نأخذ لفة وبانرجع له.

بدأت خطواتهم تتجه للخارج واحدا واحدا، ومسعود يشيعهم بكلمات لا أكاد أفهمها، حتى سمعت صوت الباب يغلق خلفهم.

رميت اللحاف من وجهي ووقفت وسط العزبة لا أكاد أصدق أني نجوت وأخذت أتنفس كمثل الغريق اللاهث الذي أنقذ من لجة البحر ، ثم جلسنا نتداول الوضع أنا ومسعود ، وكان موقنا أنهم سيعودون. فقلت له : لا تهتم مني، أنا بقفز إلى الحوش الخلفي وأنت أتدبر نفسك.

ومن النافذة الضيقة حشرت نفسي بصعوبة حتى دخلت الحوش الخلفي بين الأخشاب والمخلفات، أما صاحبي فقد غادر العزبة، لم أعد أتذكر الآن أين ذهب؟

لازلت أتذكر تلك اللحظات وأنا أمشي بين المخلفات والحديد والمسامير، ألبس معوزا وجرما أبيض نصف كم باحثا عن مكان آمن لا تقع عليه أعين الجنود لو حاولوا اقتحام الحوش أيضا، وتحت بعض الأخشاب جلست مختبئا أنتظر مصيري، كان الوقت ضحى أسمع حركة السيارات وأصوات المارة وحركة الحياة وأسمع صرخات صاحب الحوش وهو يسب ويلعن الشاب البنغالي الذي يخدمه في غرفة ملتصقة بالحوش، شعرت بأذى نفسي كبير في تلك اللحظة، وكنت أتسائل في وجداني :

هل أنا مضطر لهذا كله؟

ماهي جريرتي حتى أطارد كما يطارد المجرمون وأختبيء كما يفعل الآثمون؟

هل أصبح حج بيت الله الحرام جريمة يطارد عليها القانون؟

اجتاحتني ضحكة حين تخيلت أن أهلي يرون المكان الذي يضمني في تلك اللحظة، ومازالت تلك الأفكار تسري في خيالي حتى شعرت بالإرهاق والدوار، وطال انتظاري حتى سمعت المؤذن ينادي لصلاة الظهر، هنا قررت الخروج من هذا المكان وليكن ما يكون، ومن بين الأنقاض والغبار أتجهت إلى تلك النافذة الضيقة وحاولت الولوج منها وكنت منهكا فوجدت صعوبة في الدخول فاضطررت أن اسحب (حبة بردين) من الجدار المتهالك لتتسع الفتحة لدخولي.

نظرت إلى نفسي في العزبة فإذا الغبار يكاد يغطي شعري وثيابي ، فأخرجت ثيابا غيرها وأغتسلت وصليت الظهر واستلقيت على السرير قليلا. شعرت أن الجوع يغصني ولم يكن في العزبة شيء يؤكل غير أني وجدت حبات طماطم فأخذت حبة منها فقضمت منها قضمة واحدة فكانت حامضة فقذفت بها خارج فمي.

فكرت وقدرت فتذكرت صديقي الشاب الحضرمي فرأيت فيه فرصة للخروج من هنا، لبست ثيابي السعودية ولم أنس الكوفية والشماغ الأحمر فغادرت باب العزبة متجها إلى بيت صديقي الحضرمي الذي لا أعرف اسمه ولم أسأله عنه من قبل ، وهكذا من بين الأزقة وقفت أطرق الباب فنزل وفتح ورحب بي وأدخلني فقدم لي الشاي الأحمر، وكنت حينها جائعا أود لو يقدم لي شيئا يمكن أن يسكت معدتي الخاوية، فقصيت عليه قصتي مع الجوازات ، فلم يكد يصدق ثم قال : من حسن حظك أنك نجوت منهم في المرتين،

قلت له : أريد منك خدمة بسيطة لو لم يكن في ذلك عليك مشقة؟ أريد أن توصلني بسيارتك إلى شارع سلطان بن سلمان (شارع قطع الغيار) ووصفت له الشارع حتى عرفه. فعرض علي البقاء لأتناول معه الغداء لكني أعتذرت له وهو أيضا يبدو أنه كان مرتبطا بموعد.

وفي شوارع جدة تنقلنا وعلى جسورها انطلقنا حتى وقفت تحت عمارة (خالد ديمح) فشكرت صديقي الحضرمي الشاب البشوش والذي تبين لي بعد سنوات وفي دورة علمية جمعتنا بالشيخ الجونة وعدد من الدعاة في مودية أن هذا الشاب هو الشيخ (عمر باوزير) صاحب مؤسسة (روابي) التي مقرها اليوم في المكلا.

سيأتي الكلام عن هذه الدورة حين أسطر ذكرياتي مع الشيخ الجونة في مودية والحديث عن مسجد الرسالة.

تقع العزبة الجديدة في شارع سلطان بن سلمان، هذا الشارع تكاد تكون أكثر محلاته(قطع غيار) للسيارات بمختلف أنواعها، فتجد مكتوبا على لوحات حوانيته (تويوتا - هونداي - نيسان ) حتى أن هناك من يطلق عليه (شارع قطع الغيار)، ويقع هذا الشارع في منطقة حديثة . الطرقات واسعة ومنظمة ومضاءة والمحلات التجارية واسعة ومرتبة وواجهاتها جميلة، تستشعر الفرق هنا بين البلدة القديمة وهذه المنطقة فكأنك في زمنين مختلفين، توجد بنايات شاهقة وفلل جميلة تحيط بها الأسوار والأشجار والورود المتسلقة ، حتى المساجد هنا جميلة ومنظمة ونظيفة . المسجد الذي تحت العمارة مسجد جميل ومكيف بطريقة حديثة، في شمال المسجد توجد فلة ضخمة صاحبها (أبو إبراهيم) وهذا أبو إبراهيم صديق حميم لمؤذن المسجد جلال الصالحي، بل وكان جلال يعمل معه في أوقات فراغه من المسجد، كنت أراهم أحيانا ملتفين حول أبي إبراهيم عند انقضاء الصلوات يتحدثون في ظل أشجار خارج المسجد، يبدو على أبي إبراهيم الثراء والنعمة ، والشباب يذكرونه بخير، أنا لم أتعرف عليه ولم أقترب منه، يخالطني شعور بأنه شخص مستكبر متعجرف ،لعل شعوري هذا غير صحيح، لكنه جعلني أبتعد عنه في حين كانت علاقة الآخرين به جيدة .

كانت هذه العزبة هي محطتي بعد عزبة (مقبرة أمنا حواء) ، والعزبة عبارة عن ملحق على سطح العمارة ذات الأدوار الخمسة، وهي عمارة حديثة مطلية باللون الأبيض، والملحق غرفة مربعة واسعة جديدة، بداخلها حمام واسع نظيف، تقع هذه الغرفة في الزاوية الشمالية الشرقية للسطح عن يمين الصاعد، والباقي سطح مبلط واسع يحوطه جدار يزيد على القامة، لا يمكن هذا الجدار القائم أن يرى ما تحته من البيوت، في كثير من جهات هذا السطح تجد الحبال وعليها الثياب منشورة بعضها لباس الإحرام تركه الغادون والرائحون ،وبعضها ثياب تركت حتى أثرت فيها الشمس، وبعضها الثياب التي ينشرها المقيمون بشكل يومي.

بعد قدومي إلى هذه العزبة فرش لي أخي الخضر الجونة فراشا بجانبه وألصق الفراشين ببعضهما، وباقي الشباب منتشرة فرشهم في داخل الغرفة وخارجها، وجدت في العزبة عددا من الشباب بالإضافة إلى الجونة، وممن أتذكر منهم صالح علي معرج وهو ابن خالة الخضر ورفيقه في السفر والحرم والمقام وهو أصغر من الخضر بسنوات وكان عمر الخضر آنذاك ٢٥ سنة، وأنا أكبر من الخضر بسنتين، وهذا صالح شاب طيب القلب صادق النية يحب خدمة الآخرين ويتفانى في ذلك، ولولا أنا نرفق به لقام بجميع الأعمال في العزبة وهو منشرح الصدر، حصلت له حادثة مضحكة في الطائرة فكنا نكررها ونضحك كثيرا، كان يجلس بجانب الخضر على مقعد الطائرة، فجاءت المضيفة فقدمت لهما طبقا زجاجيا من النعناع(الشوكلاتة) على أساس كل راكب يتناول حبتين، لكن صالحا غمس يده في الطبق وأخذ ملىء كفه وكاد يضعه في جيبه إلا أن المضيفة تدخلت وانتزعته منه ، هكذا حسب رواية الجونة الضاحكة، وصالح يروي الحادثة بصورة أخف، كان عمر مكرش يطالب صالح أن يحدثنا بقصة المضيفة ثم يسجلها بجهاز تسجيل لطيف لا يتنبه له صالح، ثم يقوم في وقت لاحق بتشغيل الجهاز ليسمع كل من في العزبة القصة، وصالح ينقض عليه لينتزع الشريط. كان صالح يجلس أحيانا معي أنا والجونة حين نراجع الدروس، وتحضرني قصة في (فرض الثلثين) في المواريث سأذكرها في وقتها، صالح بقي من تلك الأيام في السعودية وحصل على إقامة عمل ولازال هناك إلى اليوم ، وكان معنا أيضا الأخ رشيد السعدي وهو شاب في سن صالح تقريبا من الوضيع من قبيلة آل سعد، شاب صموت يحب العزلة جاء للحج فقط، يحب الجلوس خارج الغرفة في السطح، خاصة في الليل، وكثيرا ما أراه قائما يصلي أو جالسا يقرأ القرآن الكريم، كنا نجلس أحيانا ونتمازح عن اللهجات، وكانت لهجة رشيد بدوية موغلة، فنقول له : قل حمار. فينطقها بفتح الحاء مع ترقية الراء كما هي لهجته، ومرة سمع مني بيتا لمجنون ليلى فأعجبه ، فقال : أمله علي حتى أكتبه، والبيت هو :

أمر على الدار ديار ليلى

أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الجدار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا.

فلما بدأ يكتب، حرفت البيت فقلت :

أمر على الحمير حمير ليلى

أقبل ذا الحمار وذا الحمارا

وما حب الحمير شغفن قلبي

ولكن حب من ركب الحمارا.

وكنت أنطق الحمار بالطريقة التي ينطقها أخي رشيد بلهجته تلك.

لم أر أخي رشيد من تلك الأيام إلا مرة واحدة في مدينة مودية وبصورة مستعجلة ،فلا أدري اليوم ما صنع الله به.

وكذلك كان معنا الشاعر عمر عبدالقوي مكرش وهو ابن أخي الشاعر المشهور أبو حمحمة وأعمامه أيضا الشاعر أحمد عمر مكرش وفضل مكرش، وأبوه عبد القوي رحمه الله كان شاعرا،لكن عاجله الشيوعيون فقتل في سجونهم مطلع السبعينيات وهو في ريعان الشباب، فكان عمر هذا يلقي علينا بعضا من شعره وكان معظم شعره غزلي، وأذكر أني كتبت أنا قصيدة شعرية بالشعر الشعبي أصف فيها حالنا وانتظارنا للحج والصعاب التي واجهتنا في ١٥ بيتا، فقرأها خالد ديمح وأعجبته وقال : بانكلف عمر مكرش يرد عليك، فأعطاه الورقة وانشغل عنها عمر حتى غادر إلى تبوك وضاعت معه الورقة.

لمدة من الزمن كان معنا مختار الحميد الممرطي وهو خال عمر مكرش ابن عم أمه، فكان عمر مكرش يلح على قوله دائما (خالي مختار) مع أن مختارا أصغر منه سنا. لازلت أتذكر مختار الحميد هذا، شاب صغير العينين ضحوك ودود، قضى كثيرا من حياته في تبوك فقد كان أبوه يتبع (قوة السلام) التي يقودها الشريف (حيدر الهبيلي) البيحاني ، فكان يعرف أصهاري لأنهم أيضا كانوا يتبعون أيضا (قوة السلام) . وممن كانوا معنا أيضا (عبدالله بن عبدالله) الشاب صاحب النظارات من مدينة مودية وكان يحب يجادل الخضر كثيرا ليثير حفيظته فيضحك حتى تبدو نواجذه، وأحيانا يصعد خالد ديمح أو أخواه علي وغسان فيسمرون معنا، وإن نسيت فلن أنسى عصام المجعلي هذا الشاب الطويل النحيف الأبيض المثقف الودود فكان أحيانا يشاركنا الحديث عن الكتب ، وقد ذكر لي ذات مرة أن معه كتابا لداعية في البرازيل يسجل خلاله مسيرة نجاحاته في رعاية الشباب المسلمين ، نسيت الآن اسم الكتاب. وتمنيت أن أقرأه، لكني لم أظفر به رغم أني سألت عنه في بعض مكتبات صنعاء فيما بعد. أخي عصام المجعلي لم أره منذ تلك الأيام لكني سمعت أنه لازال مهاجرا في مكة إلى اليوم .

وهناك بعض الرائحين والغادين الذين نسيت بعضهم أو كان مرور بعضهم سريعا.

المهم في الموضوع أننا نحن الخمسة :

{ أنا والجونة وصالح ورشيد وعبدالله بن عبدالله } نحن الذين تعرضنا لغدر المهرب الذي هربنا من جدة إلى مكة وباعنا بثمن بخس، ذاك المهرب الأعرج (عائض) والذي باع دفعات أخرى بعدنا في سنوات قادمة فحج الحجيج وهم في سجن الترحيل في جدة.

نحن الآن في شهر ذي القعدة عام ١٤١٩ للهجرة الذي يوافق عام ١٩٩٩ م .

نعتلي سطح عمارة ضمن طابور من العمارات في جدة شارع سلطان بن سلمان.

استقر بي المقام هنا ومضت الأيام الصعبة الطويلة وتغير الحال هنا بوجود أخي وصديقي الخضر الجونة ، فقد مرت الأيام جميلة سعيدة حيث كنا لا نكاد نفترق لحظة واحدة، نقضي معظم الوقت معا، تكلمنا عن كل شيء يدور في خواطرنا، فلم يكن بيننا تحفظ، ورغم أن علاقتي بالخضر كانت متينة لكن هذه الفترة التي عشناها معا ننتظر الحج كانت هي الفترة الذهبية لعلاقتنا وعرف كل منا أخاه بكل تفصيلاته ، حيث لا كلفة ولا حشمة ولا رسميات، كنا نكاد ننام ونستيقظ في نفس الوقت، حتى أن الشباب في العزبة كانوا يقولون : خلاص انفصل عنا الخضر منذ مجيئك يا ناصر، الحقيقة إني وجدت في الخضر نفسي كما وجد هو في نفسه فكان بيننا تطابق فكري وعقلي ووجداني كبير، وتحدثنا عن أوضاعنا وأحلامنا وأخبارنا وأحوالنا الشخصية كثيرا، وأعترف أني كنت جريئا على أخي الخضر بما لا يستطيعه أحد من أصدقائه وكان يتلقى جرأتي ببساطته حينا وابتسامته حينا وحدته حينا آخر ، كيف لا تصل علاقتي بالخضر كذلك وفراشانا ملتصقان وحركتنا مشتركة وحديثنا لا ينقطع.

عرفت الخضر عن قرب وعرفت أخلاقه وشيمه وصدقه وطهارة نفسه وعلو همته وكريم شمائله فهو بحق كريم من بيت كريم.

عرفت أباه ناصر الجونة ولقيته عدة مرات رجل صلب يملك كاريزما وهيبة عجيبة، تعرض لنكبات كبيرة في أبنائه من زوجته الأولى خلال مراحل الصراعات السياسية في الجنوب، وكان له أبناء نجباء منهم من قتل في السبعينيات ومنهم من جرفته أحداث ١٣ يناير ١٩٨٦ م، فترك ذلك في نفسه حزنا وألما وحذرا لا تخطؤه عين من لقيه وهذا ترك أثره على علاقته بأبنائه من الجيل الثاني فكان يحوطهم بجناحيه كما تحوط الحمامة أبناءها في الليلة الماطرة ، فهو حريص أن لا يدخلوا في أي صراعات سياسية أو دينية أو قبلية، فبنى لهم مسجدا بين بيوتهم في قريتهم الصغيرة وضرب عليهم سورا من الحب والعطف والحنان والرعاية والحذر ،هكذا حدثني الخضر وهكذا فهمت من خلال سياق حياتهم تلك، ؛والحقيقة أن هذه العائلة أعني أولاد ناصر الجونة عائلة تحمل جينات النبل والنجابة بشكل خلقي جبلي، فمهما حاولت عواطف الأبوة أن تحوطهم من المخاطر فإن جيناتهم تأبى إلا ركوب الخطر وكم والله كنت أسمع الخضر يردد :

ومن لا يحب صعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحفر.

مات الوالد القوي ناصر الجونة بالسرطان رحمه الله تعالى فكان مثل سد مأرب الذي انهدم فرحل بعده اليمانيون إلى أطراف الأرض وأقاموا ممالك الغساسنة والمناذرة. فبعد موت الأب رحل الأبناء في طلب العلم في كل مكان داخل اليمن وخارجها، ولو كان الوالد حيا ما أحسبه يأذن للخضر بالسفر للدراسة في المدينة النبوية لشدة عطفه وحنانه وتعلقه بأبنائه، ثم واصل الخضر دراسة الماجستير والدكتوراه في السعودية حتى مات قبل مناقشته للدكتوراه بأسبوع واحد رحمه الله.

أولاد ناصر الجونة من الجيل الثاني أكبرهم سليم وهو طبيب صيدلي كان الخضر يجله إجلال الأب ويكاد حين يذكره يخفض صوته لشدة حبه واحترامه له وإعجابه بعقله وأخلاقه ولم يكن لي شرف التعرف على سليم إلا في لحظات عابرة في عدن وسببها ارتباطي بالخضر. والثاني من أبنائه هو سند وهو رجل صالح وعابد وصاحب ذكاء فائق وداعية محبوب وشخصية لها وزنها واعتبارها في منطقتهم مع التواضع الشديد والبساطة وعدم التكلف، ثم يأتي في الترتيب أخي الخضر ثم مهدي وما أدراك ما مهدي؟ وكأنه جمع ذكاء العائلة كلها فشربه في كأس واحدة مع العلم وسعة الاطلاع وتنوع المعرفة ، وقد عرفته وأحببته قبل الخضر، ثم أصغرهم فضل ومعرفتي به بسيطة أو شبه معدومة.

أمهم من قبيلة ال صالح المياسر من مران ال فضل علي وهي ابنة عم التربوي القدير الراحل سعيد علي رحمه الله، وسعيد علي هذا كان مدير مدرستنا حين كنت في الصف الأول الابتدائي عام ١٩٨٠ م. وهو شخصية فذة وكان إسلاميا في عهد الاشتراكيين رجل قوي ومصادم لا يعرف المداراة رحمه الله وليت أحدا من ال فضل علي يكتب عنه فهذا أقل واجب نحوه رحمه الله تعالى.

كانت ليالينا في جدة تكاد تكون مجالس(مذاكرة) فهي حديث متصل عن العلم والكتب والفنون والمتون والأبواب، فقد كنا آنذاك في ذروة الإهتمام بطلب العلم، وفي قمة الحماس للقراءة والإطلاع ، وكنا متأثرين بمدرسة دماج وشيخها العلامة مقبل الوادعي رحمة الله عليه فقد كان الشيخ يحب العلم ويعلي من شأنه ويدعو إليه كمشروع إنقاذ للأمة الإسلامية ،وكان لصيحات الشيخ الوادعي تأثير كبير فهي تسري مع الريح وتذهب في طول البلاد وعرضها كما تذهب الشمس ، وكان للعلم رواج وسوق وتنافس وحب وشغف وعشق وغزل وأشعار فكنا نحفظ أبيات الزمخشري :

سهري لتنقيح العلوم ألذ لي

من وصل غانية وطيب عناق

وألذ من ضرب الفتاة لدفها

ضربي لألقي الرمل عن أوراقي

أأبات سهران الدجى وتباته

نوما وتبغي بعد ذاك لحاقي

وغيرها من قصص طلب العلم والرحلة كقصة رحلة بقي بن مخلد من الأندلس إلى بغداد أيام المحنة وقصة رحلة أحمد والرمادي إلى عبد الرزاق. ورحلات أبي نعيم في طول وعرض العالم الإسلامي.

وكنا متأثرين بخطاب العلامة الألباني رحمه الله وحثه على العلم والتصفية والتربية، ونتابع سلاسل العلامة ابن عثيمين في دروسه المختلفة، كانت الفترة التي سبقت لقاءنا هذا هي فترة علم بامتياز فليس هناك ألذ من حديث العلم ولا أطيب من أخبار العلماء قديما وحديثا ولا أعذب من مناجاة الكتب، وكان أخي الجونة قد أوتي من ذلك حظا عظيما، وكانت الفترة التي سبقت لقاءنا هذا بالنسبة لي هي فترة (صنعاء) فترة الجامعة فترة الكتب والقراءة وطلب العلم ففي هذه الفترة كنت في صنعاء مدينة العلم وفي الجامعة وفي مركز الدعوة العلمي وقضيت فترة في دار الحديث بمأرب ، فكانت ليالي جدة تلك ليالي عشق وطرب وحب وسكر بالنسبة لعشاق للكتاب والمعرفة، أنستنا غربتنا وانتظارنا ومستقبل حجنا المجهول.

وقبل أن أغادر هذه الحلقة أحب أن أنوه أن أخي أحمد الخضر مسعود زارني ليلة وأخبرني أن سيارة الجوازات اقتحموا العزبة وسألوا عني فأخبرهم أني قد رحلت إلى اليمن.

كانت أحاديث العلم والكتب تجلي عن قلوبنا الشعور بالغربة والضيق بالوحدة والانتظار ، فنسهر كل ليلة إما على فراشينا المتجاورين أو نخرج فنجلس تحت السماء ونجومها على السطح المبلط وربما نستلقي ونتبادل أطراف الحديث، وبرنامجنا هو السهر حتى صلاة الفجر ثم ننام حتى الساعة الواحدة ظهرا أو بعدها، ثم نتناول بعض الدروس العلمية وخاصة المواريث، وأحاديث جانبية وجلوس مع الشباب ومطارحات علمية وأدبية وتاريخية. أما الليل فهو خالص لنا حتى طلوع الفجر.

فنبدأ المذاكرة في التفسير، ولازلت أتذكر أخي الخضر وهو يسألني عن غريب القرآن حتى يمضي فيه كثيرا ثم تكون الكرة لي فأسأله ، وهكذا

فمما أتذكر أنه سألني عن (يجمحون) (يضاهئؤون) (بل ادارك علمهم) (سامدون) وووو ثم نتساءل عن أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وبعض علوم القرآن، كان أخي الخضر يشجعني ويقول كيف استطعت أن تستذكر معاني الغريب؟

هل درسته؟

فكنت أقول له ببساطة وبغير معلم : المصحف الذي أقرأ فيه مصحوب بتفسير الجلالين وأسباب النزول للنيسابوري، ومع التكرار والسنوات يرسخ ذلك بسهولة، ثم أرد عليه نفس السؤال : فيقول : اعتمادي على كلمات القرآن لمخلوف.

وأشهد أني لم أسجل عليه خطأ واحدا في غريب القرآن بينما سجل هو علي بعض الأخطاء، وفي ليلة قال لي : أتدري ماهو سبب اهتمامي بالغريب؟

قلت : ماهو؟

قال : سافرت مرة من مودية إلى عدن مع سيارات الفرزة وحصل جدل بين الركاب حول معنى كلمة (أبا ) في سورة عبس (وفاكهة وأبا ) فاخذوا يتجادلون فيها وفجأة صاح أحد الكبار فيهم وقال : ولا لكم كلمة، معنا الشيخ الخضر ما شاء الله صاحب علم هو سيجيب عن معناها، ؛قال فأسكتهم جميعا حتى كأن على رؤوسهم الطير. لكن للأسف لم أكن أعلم معنى الكلمة وخيبت ظن الرجل العجوز، ومن حينها اهتميت بمعاني القرآن الكريم اهتماما كبيرا.

وكانت لنا سهرات عن مصطلح الحديث وكان علما محببا إلى نفوسنا بحكم مدرسة الحديث التي ننتمي إليها ،وقد قطعنا فيه شوطا كبيرا، ففاجأني مرة بسؤاله: ماهو الحديث المدبج؟ ولكني فاجأته بجواب تفصيلي لم يكن يتوقعه وأعجب إعجابا شديدا واهتز لذلك فرحا، وكنت قبلها قد حفظت (نخبة الفكر) وكررت قراءة شرحه النزهة حتى كدت أحفظه وكان ربما يطالبني أن أسمعه المتن ويوقفني ليسألني عن شرحه كما في النزهة، وأذكر والله ليلة حين كنت أسرد له المتن حتى قلت : ... كما قال النسائي. ثم أردفت وقلت والجوزجاني في النزهة، فطرب وقال : الله الله الله.

حقا أنها كانت ليالي طرب، وما أعذب ليالي العلم عند عشاقه، وليلة ذكرنا الخلاف في قراءة الفاتحة للمأموم في الركعات الجهرية، ؛فكنت أنصت له وهو يذكر الخلاف بأدلته مع توجيه الأدلة وكأنه يقرأ من كتاب رحمه الله تعالى.

وعلى ذكر الفقه فطريقتنا في الفقه في تلك الأيام متأثرة بمدرسة المحدثين والاعتماد على فقه الأدلة والزهد في الفقه المذهبي ، فمنهجيتنا وقراءاتنا كلها كانت تصب في هذا الاتجاه، فقرأنا الكثير من الكتب وفق هذه المنهجية، ؛فكان الخضر يسألني عن قراءاتي ومحفوظاتي في الفقه وكنت أنا أيضا أسأله نفس السؤال وأتذكر أني قبل تلك الليالي بسنوات قد حفظت الدرر البهية إلى آخر باب الحج وقرأت شرحها الدراري المضية للشوكاني والروضة الندية لصديق حسن خان وقرأت نيل الأوطار وسبل السلام وفقه السنة والملخص الفقهي وكتب القليصي فقه العبادات وفقه الطهارة وفقه الصلوات الخمس وفقه الأسرة وفقه المعاملات المالية. وكانت قراءات أخي الخضر مشابهة لقراءاتي بل تزيد عليها ، لكنها بمنهجية واحدة

وفي المصطلح قرأنا تقريبا نفس الكتب الباعث والنزاهة وتيسير مصطلح الحديث للطحان وعلوم الحديث لصبحي الصالح وأصول التخريج للطحان وضوابط الجرح والتعديل لآل عبد اللطيف. وفي صنعاء بمسجد الكميم شارع تعز كنت أدرس (الكفاية) عند الشيخ أبي الفضل حسن بن حيدر مع شرح مسلم للنووي.

وفي الأصول كنا قد حفظنا نظم الورقات للعمريطي، ولا زلت أتذكر الخضر ونحن تحت قبة السماء على سطح العمارة يقول لي سمع أبيات:

(أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم)

فكنت أقول منشدا :

أفعال طه صاحب الشريعة

جميعها مرضية بديعة

فكلها أما تسمى قربة

أو طاعة أو لا ففعل القربة

من الخصوصيات حيث قاما

دليلها كوصله الصياما

وحيث لم يقم دليلها وجب

وقيل موقوف وقيل مستحب

في حقه ..... الخ

وهو يكمل الباقي ثم يطالبني بشرح الأبيات وهو بها عليم، واكتشفت حجم الكتب الكثيرة التي قرأها رحمه الله، وحجم سعة اطلاعه، وإن كان هو يشجعني ويشد على يدي ويبدي إعجابه بقراءاتي التي تتقاصر كثيرا عن قراءاته.

وفي إحدى المرات حصل بيني مزاح أنا وصالح علي ومد يده على رقبتي حتى أوجعني والخضر يضحك ويقول : تستاهل خله يخنقك. . ثم جلسنا بعدها نتدارس المواريث وكنا في درس الثلثين، فقال موجها الكلام لي : سمع باب الثلثين من الرحبية :

فقلت :

والثلثان للبنات جمعا

مازاد عن واحدة فسمعا

وهو كذاك لبنات الابن

فافهم كلامي فهم صافي الذهن

وهو للأختين فما يزيد

قضى به الأحرار والعبيد.

فلما وصلت البيت الأخير قلت : قضى به الأحرار وأشرت إلى الخضر ثم قلت : والعبيد وأشرت إلى صالح. وهنا لاتسل عن ضحكة الخضر رحمه الله ولا عن يد صالح الغليظة التي مسكت رقبتي، وفسد الدرس من الضحك والشجار.

ومن سهراتنا أننا سهرنا على (المسألة المشتركة)

فاجعلهم جميعهم لأم

واجعل أباهم حجرا في اليم

فكنت أنا مع من يورثونهم لأنهم في أقل الأحوال إخوة لأم.

وكان الشيخ الخضر يذكر جواب ابن القيم الذي لا يرى توريثهم

حين قالوا لعمر : هب إن أبانا كان حمارا أو حجرا في اليم .

فكان ابن القيم يقول :

لو كان أبوهم حمارا لكانت أمهم أتانا.

ثم لقيته بعد سنوات طوال فقال لي ضاحكا : رجعت إلى مذهبك في الحمارية.

وكان ليلة يلقي علينا المسألة الدينارية (الشاكية)

من أجل ذا قد سميت بالشاكية

لأنها جاءت عليا باكية

قالت له أن شريحا ظلما

في القسمة حين قسما

إلخ الأبيات. .

وتذاكرنا مناظرة الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني والقاضي عبد الجبار المعتزلي حول مسألة القدر حتى أني حفظت هذه المناظرة ولازلت أحفظها إلى اليوم.

كل ما أكتبه في هذه الحلقات فهو من ذاكرتي وقد ضاع مني الكثير، تساقط مع مسيرة عشرين سنة من الحياة.

ولو أني كتبت يوميات آنذاك لحفظت الكثير والكثير.

هكذا مضت أيامنا وليالينا ضاحكة سعيدة يشملها ثوب الوصال وتكسوها نسمات الحب والإخاء ويطربها حديث العلم والعلماء حتى تدفقت علينا عشر ذي الحجة وبدأت التجهيزات والاستعدادات للحج، فكان علينا البحث عن (مهرب) يقوم بتهريبنا من جدة إلى مكة ، فدلينا على مهرب أعرج له عرجة بينة ليقوم هو وأخوه بإدخالنا إلى مكة عبر طرق تبعدنا عن نقطة (الشميسي) وعن أماكن الخطر، لكن عائض استلم منا الثمن ثم غدر بنا...

أخذتنا سيارة خالد ديمح يقودها أخوه علي مع أذان العشاء إلى مسجد (الملك عبد العزيز) حيث الاتفاق بيننا نحن والمهرب أن نصلي العشاء في هذا المسجد، كان المسجد كبيرا وواسعا ، وأظنه من المساجد الكبيرة في جدة وإن كان يبدو قديما، صلينا العشاء محرمين فخرجنا من المسجد لنتجمع حول سيارة عائض وكان معه أخوه، أما عائض فهو قصير نحيف أسمر في وجهه آثار جدري، فقد رأيته بوضوح تحت أضواء المسجد ، في رجله اليسرى عرجة شديدة لدرجة أنه يتكىء بيده على ركبته أحيانا، كان يطوف حول سيارته وحولنا يجمع منا الفلوس، من كل وأحد مائة ريال سعود -- طبعا أقسم خالد ديمح أن يدفع هو هذا المبلغ -- رأيت فى وجه عائض الغدر والكذب والخيانة وهو يدور حولنا كالذئب حول فرائسه.

أما أخوه فقد كان طويلا أبيض ممشوقا نظيف الثياب حسن الهندام سريع الحركة ، كان يلبس عقالا يزين به رأسه،

حشرنا في السيارة وكنا أحد عشر حاجا لا أعرف منهم غير أصحابي الذين جاءوا معي من العزبة، وجميعنا يمنيون إلا واحدا سوداني، كنا متضايقين متزاحمين يلتصق بعضنا ببعض، وحين أوشكت السيارة على الانطلاق جاء شاب عدني اسمه (وليد) لم أره من قبل، كان يلبس الثوب السعودي، فوقف علينا ورجانا أن نوسع له معنا، أما أنا فكرهت مجيئه وبلغت نفسي من الضيق والحنق منتهاها، كنت غير مطمئن لعائض ثم هذا الضيق والزحام ووجودنا في الشارع بهذه الطريقة بدأ يلفت أنظار المارة، والأخ وليد يلتمس فراغا بين هذا الزحام ويرجونا أن ننتظره حتى يدخل المسجد ويغتسل ويلبس ثياب إحرامه، ولأن الذئب يريد فريسة جديدة فقد انتظره وحشره بيننا ونحن كارهون.

انطلقت السيارة تحت جنح الليل من شارع إلى شارع حتى خرجنا من مدينة جدة، كان الشيخ الخضر بجانبي ملتصقا بي فكنت أنظر إليه وأضحك على حالنا فيضحك معي بشدة ويضرب بكفه على فخذي، انحرفت السيارة من الطريق الرئيسي وانطلقت حتى دخلنا مدينة تبدو قديمة ،لم أرها جيدا بسبب الليل، سألت عنها فقالوا أنها مدينة (بحرة) اسم هذه المدينة مر بي حين كنت أقرأ في تاريخ الدعوة الوهابية في معارك الجيش المصري الذي يقوده إبراهيم محمد علي باشا قائد الحملة المصرية التي دمرت الدرعية، وكانت هناك معركة بين الجيشين ، وحين تجاوزنا بحرة أمرنا عائض بالنزول والتفرق بجانب الطريق، فنزلنا وتفرقنا واختبأت أنا خلف شجرة، أخذت أتلمس ورقها وأتعرف على نوعها على ضؤ القمر فإذا هي شجرة نسميها في بلادنا (العشر) بضم العين والشين ، وهو اسم عربي فصيح مر بي في كتاب سيرة ابن هشام في غزوة خيبر أثناء مبارزة الزبير بن العوام مع أخي مرحب فارس اليهود. وأنا أتلمس تلك الشجرة تذكرت قريتنا وأرضنا وهزني الشوق إلى الوادي والأرض فسحبت غصنا من الشجرة حتى وضعت ورقها في أنفي وملأت خياشيمي من رائحته مع أني في البلاد لا أحب رائحة تلك الشجرة لكنني كنت كأبي ذؤيب الهذلي الذي فقد أبناءه الستة ولم يبق له إلا طفل صغير فقال في عينيته المشهورة :

والنفس طامعة إذا أطمعتها

وإذا ترد إلى قليل تقنع.

لم يمر وقت طويل حتى دعانا عائض فحشرنا في السيارة من جديد ، وانطلقنا حتى اقتربنا من نقطة الشميسي.

تنحت السيارة يمينا ثم وقفت بجانبها سيارة أخرى فيها أخو عائض وجرى الاتفاق أن أخا عائض يأخذنا مشيا على الأقدام في الصحراء إلى مسجد عائشة ومن هناك يتدبر لنا سيارة تأخذنا إلى الحرم، أما عائض فقد عاد إلى جدة وفي جيبه ١٢٠٠ ريال سعودي وتركنا لأخيه ليكمل قصة خداعنا.

ومع نسمات الليل وعلى ضؤ قمر مسافر في سمائه انطلق أثناعشر محرما خائفين ملبين على رمال بيضاء ناعمة جرداء يتقدمهم أخو عائض يتقافز كأنه الغزال وبين الحين والآخر أراه يصلح العقال على رأسه، ونحن نسير خلفه كما تسير صغار الحيوان خلف أمها، كنت أمشي بجانب الشيخ الخضر وكلانا يحمل كيسا فيه بعض ثيابه، وبينما كنا نمشي ونتحادث عثرت رجلي في شيء ناشز في الرمل فسقطت على ركبتي وطار الكيس قريبا مني فأخذ الخضر يقيمني ويبحث عن سلتي وهو يضحك، وهكذا قطعنا أكثر من ساعة حتى وصلنا إلى طريق مسفلت تمر به القليل من السيارات فقطعناه حتى وصلنا إلى مسجد عائشة ونحن متعبون.

كان قيم المسجد الباكستاني مترددا في إدخالنا المسجد ولكننا لم ننتظر إذنه وتفرقنا داخل المسجد واستلقينا على القطيفة فرضخ للأمر الواقع.

قال لنا أخو عائض : أنتم أبقوا هنا وأنا سأحضر سيارة لتقلكم إلى الحرم وإياكم أن تخرجوا من المسجد حتى أرجع ، أما الشباب فما أن وضعوا رؤوسهم على قطيفة المسجد حتى ناموا غير متوجسين أي خيفة، أما أنا فقد كنت على يقين أن أخا عائض لن يرجع، هذا في أقل الاحتمالات، فلم يغلق لي جفن، وبقي معي سهران عبد الله بن عبد الله والسوداني.

قلت لعبدالله : أشك أن المهرب لن يعود، هذا إذا لم يبعنا ويبلغ الجوازات.

قال : بالنسبة لنا نحن سهل سيرمونا في حرض لكن المشكلة الزول هذا الذي جنبك سيرمونه في البحر الأحمر، وأخذ يضحك ويقهقه بصوت مرتفع حتى أيقظ بعض النائمين.

فقلت له : ليس الوقت وقت مزاح نحن ابتعنا ، فبدأ ينتابه الشك معي. فقلت له : تعال نستطلع الوضع خارج المسجد، فأخذنا لفة حول المسجد والمحطة فلمحت سيارة واقفة فيها شخصان وكأنهما يراقبانا أو ينتظرانا، وهكذا كررت الدخول والخروج والاقتراب من السيارة طول الليل حتى تأكدت أنهم يراقبونا فأيقظت النائمين ووضعتهم في صورة الوضع، وأخبرتهم أن الوقت تأخر وهناك سيارة تراقبنا والفجر قد أوشك يداهمنا فلابد من حل، فلا يمكن أن يرجع المهرب بعد هذا الوقت ، فأخذ بعض الإخوة يتسلل إلى خارج المسجد ليتأكد من السيارة التي ترقبنا طول الليل، ومع كثرة الدخول والخروج تنبه صاحب السيارة أننا على وشك اتخاذ قرار يخرجنا من وضعنا الحرج هذا، فتحرك إلى خارج المحطة وأوقف سيارته بعيدا عن انظارنا.

أخذنا نتشاور فيما ينبغي عمله وطريقة الخروج من هذا المأزق الذي وضعنا فيه عائض وأخوه، فمن قائل : نقف في الخط ونوقف سيارة تأخذنا إلى الحرم، ومن قائل ننتظر إلى ما بعد الفجر، وكثرت الاقتراحات ، فقال الشاب العدني وليد :

أنا أحمل الإقامة ولا خوف علي من الجوازات وإنما جئت معكم حتى لا يختمون على جوازي فأحرم من الحج خمس سنوات، ولهذا فلابد مما ليس منه بد، سأخلع ثياب الإحرام وألبس ثيابي وأذهب إلى مكة لأحضر سيارة صديقي ليدخلكم إلى الحرم وسأتحمل الفدية .

فقلنا : سنتشارك كلنا معك في الفدية ولا عليك.

قال : لا. لا. ما يحتاج الموضوع سهل، المهم توصلون الحرم. وتنحي في جانب المسجد فخلع ثياب إحرامه وغادر المسجد ليقف في الطريق ويوقف سيارة وينطلق إلى مكة، أصبح وليد هو الخيط الوحيد الذي تتعلق عليه آمالنا للوصول إلى الكعبة، لم يبق بيننا وبين مكة سوى ٢٥ كيلو، وهي أطول ٢٥ كيلو على وجه الأرض فكأنما هي ٢٥٠٠ كيلو، أخذنا ننتظر وليدا، و نرقب تلك السيارة الواقفة بحذر.

استلقى معظم الشباب على القطيفة ومنهم من نام بكل برودة أعصاب.

هذا وليد الذي كرهنا مقدمة وصحبته لنا، والذي جاء في اللحظات الأخيرة لخروجنا من جدة، هذا وليد كأنه جاء ليؤدي مهمة بعينها.

كيف جاء وليد؟ مالذي دفعه؟ كيف فكر في المجيء؟ كيف علم بنا؟

تلك أسئلة أجابت عنها الأحداث .

إنها عناية الله.

بعد مايزيد على نصف ساعة وقفت سيارة جمس سوداء جديدة أمام باب المسجد فيها وليد وصديقه صاحبها، فأخذنا نتداعى للركوب وأخذ أماكننا على مقاعدنا وكل واحد منا يحث الآخر على الاستعجال كان وليد يقول : تأكدوا هل بقي أحد؟

انطلقت بنا السيارة تسابق الريح، ولكن ما أن استوينا في الطريق حتى بدأت السيارة التي كانت واقفة تطاردنا، فتنبهنا لها جميعا.

فقال وليد : لو استطاعت أن تتجاوزنا ستبلغ النقطة التي في مدخل مكة ، وهنا تحول الطريق إلى ميدان لسباق السيارات، السيارة المطاردة تحاول أن تتجاوزنا وصاحبنا يضيق عليها الطريق حتى يلجئها إلى تخفيف سرعتها لكنها تحاول مرة بعد الأخرى وسيارتنا تتمايل في الطريق والسيارات القادمة من الاتجاه المعاكس تضطر السيارتين إلى المشي في خطها الصحيح لكن تعاود السيارة المحاولة وصاحبنا ينطلق بكل سرعته ويضيق عليها بالمشي في الخط المعاكس، حتى تأتي سيارة معاكسة فيعود إلى خطه، شعرت بالقلق الشديد لسرعة السيارة وتأرجحها بين الخطين وأصبح الموقف خطرا واحتمال تعرضنا لحادث سير أصبح ممكنا ، ولم يخفف صاحبنا من السرعة والاندفاع إلا حين استطاعت السيارة المطاردة أن تجد فرصة وتتجاوزنا ، وما أن وصلنا إلى قرب النقطة حتى رأينا تلك السيارة واقفة مع سيارة الدورية وسيارة الجوازات وعدد من الجنود، ولم يكن أمام سيارتنا أي خيار لسلوك طريق آخر فليست ثمت طريق لا عن يميننا ولا عن شمالنا،

هنا تتخذ القرارات السريعة والصعبة.

وقفت السيارة جانبا فالتفت إلينا صاحبها وقال : اهربوا بسرعة من السيارة واسلكوا طريقا من خلف هذا الجبل وسيخرجكم على الخط الرئيسي ومن هناك اركبوا سيارة أجرة إلى الحرم. ما عليكم مني أنا باخارج نفسي.

أخذنا نتقافز من السيارة وأفراد النقطة يرونا ونراهم، فتسللنا بين البيوت واختبأنا خلف سيارة هيلكس كانت واقفة تحت بيت مكون من دورين، سمع صاحب البيت ضجيجنا فنزل مسرعا حتى رأى منظرنا الذي يدعو إلى الشفقة أحد عشر محرما يتوارون خلف سيارته بينما يرى من بعيد سيارة الجوازات تلف وتدور قرب المكان ، فاقترب منا وقال : أنتم حجاج يمانيون؟

قلنا : نعم.

قال : لا تقلقوا وامشوا بعدي، فدلنا على طريق من خلف الجبل يفضي إلى الخط الرئيسي، فانطلق الحجاج بثياب إحرامهم يسعون حتى تجاوزوا الجبل ومنه إلى قرب الخط الرئيس.