آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


الغنائية والنص العابر للهوية

الغنائية والنص العابر للهوية

السبت - 24 نوفمبر 2018 - 07:49 م بتوقيت عدن

- تحديث/ بدر العرابي :


لم تعد هوية النص وجنسيته (قصيدةً أو سردا/حكياً )_تقع على عاتق الإيقاع أو الوزن أو القافية أو غلبة العاطفة والخيال ، مقابل الحقيقة والواقع ،في القص، ،ولاسيما في النصية أو الأدبية الراهنة ،إذ مخضت الحداثة الراهنة، كتابةً نصيةً موغلة في الغموض ، حتى غدا بعض الكتَّاب المحدثين ،لا يستطيعون تصنيف كتاباتهم إلى أي جنس تنتمي ، بل ويخلط بعضهم بين القصيدة والقصة في وصف ما يكتبه ،وخاصة في النص الذي أُصطلح على تسميته __راهناً_خاطرة،في محاولة للهروب من معضلة التجنيس وغموض الشكل .
يقول (بول فاليري) _في أكثف عبارة ، ليضع حدَّاً بين الشعر والنثر :"الشعر كالرقص والنثر كالمشي "وعلى الرغم من دقة (فاليري) في تحديده الفرق، عبر هذه الجملة _إلا أن معطيات الحداثة ، فيما بعد (فاليري) _قد قلَّصتْ الهوة التي وضعها ،والتي كان يُستأنس بها حينها إلى حد بعيد .ومن جهة أخرى ،فقد نخطئُ إذا ما استثنينا قصيدة الحداثة _والتي يُطلق عليها (خطأً) بقصيدة النثر _من قاعدة (بول فاليري) الآنفة ، كونها لم تتخلى عن الإيقاع مطلقاً ، بل تسمو به لطبيعة مترقية متماهية مع ترقي الذهنية المتلقية عبر الزمن ، ليتجاوز الطبيعة المادية (الصوتية ) أو الصخب الصوتي المسموع عبر أصوات اللغة المتناغمة والمتجانسة بشكل تراتبي ، أو عبر التفعيلات والقافية_،لتغدو أكثر توغلاً في روحانية المتلقي، ولا يمكن إدراكها إدراكاً مباشراً عبر الحواس البدائية (السمع والبصر ).ومن ثم فقصيدة (الحداثة) مابعد قصيدة التفعلية ،يمكن أن تحتويها مقولة (فاليري) وبإمكانها أن تكون (رقصاً) فيما يخص قاعدة (فاليري) .


لكن ما ينسخ مقولة (فاليري) ويعصف بها تماماً هو بروز أغنية (الراب) ذات الصخب الإيقاعي ،والتي تجعل من الكلام العادي أغنية صاخبة ، مادتها كلام نثري تقريري ،لا يحمل أي نسق إيقاعي صوتي لغوي ، ويمكننا أن نرقص على وقعها وبكثافة وطاقة مضاعفة أكثر من الطاقة الغنائية للأغنية القائمة على الإيقاع اللغوي والتفعيلي_ومع هذا لا نستطيع تمييز تقريرية نصها ،إلا إذا نزعناها من إيقاعها المادي وصخبه ،والمتمثل في الموسيقى المسموعة عبر الآلة الموسيقية ،وإن تم ذلك ،ثم كتبناها على ورقة ،سنجدها كلاماً تقريرياً عادياً ،وقد يقترب من القص أو الحكي ،وينأى بالمطلق عن القصيدة والقصيدة العصرية المغناة .
وإذا ما رصفنا مقولة (فاليري) :"الشعر كالرقص والنثر كالمشي "فوق أدوات الانمياز بين الشعر والنثر ،كغلبة العاطفة والإيقاع والقافية _فأننا سنجد تقلَّص الفوارق ،حتى لكأنها تتلاشئ إلى عدم في النصية الراهنة ،وفي الخطاب الأدبي المعاصر الهجين .


وعطفا علىً هذا التقلُّص والتلاشي في الفوارق ،فأن ذلك لا يعني انعدام السمات الفاصلة بين أدب القصيدة وأدب النثر ،بقدر ما يعني أن السمات التقليدية السابقة (الإيقاع ،الوزن ،التفعيلة ،التسجيع غير الممتد ،القافية ،العاطفة/الخيال ،العقل /الواقع) _غير مجدية كحدود فاصلة بين الجنسين.


وتظل سمة (الغنائية) كما وضعها (أرسطو) في كتابه (فن الشعر) _هي الحد الفاصل بين الشكل الأدبي النثري والشكل الأدبي القصيدي .


لكن يجب أن نُفرِّق بين (الغنائية) كمصطلح أرسطوي قار ،والغناء أو القصيدة المغناة ،فالغنائية تعني في أقرب تفسير لها _تمدد الذات فوق اللغة الشعرية من خلال توزيع مامخضت عنه لحظة تلبُّس الذات بالقصيدة من شعور وإحساس طري ينضح بحالة الذات من الداخل وما يتقاذفها من توتر وانفعالات ممتدة ومتقلصة بتناوب ،يرسم تناوب الضغط الشعوري الكامن في داخل الذات ،فيبرز مفهومات الألم والهدأة أو ،أو السخط والغضب ،الفرح أوالحزن ،الرضاء أو الرفض ،التقلص أو الامتداد ...إلخ.
على أن ملامح الغنائية تلك ، لا تجسد إلا وجهاً واحداً من الغنائية وهو الوجه المنبثق عن الناص ،والذي لا يُكتمل إلا بالوجه الآخر،الذي يكمله انتقال الغنائية عبر التلقي_ للمتلقي في لحظة تلقيه النص ،عند اكتمال لصق الحالة الشعورية للناص عبر النص /اللغة _في ذهنية المتلقي ثم وجدانه .