آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


منذ عقدين من الشجن

منذ عقدين من الشجن

الأحد - 25 نوفمبر 2018 - 06:52 م بتوقيت عدن

- تحديث/ محمد المهدي:


من عام ألفين حتى الآن والدُّوَلُ
كذَّابةٌ.. تُشعلُ المنفى وتشتعلُ

تشيِّعُ الأرضَ.. ما في الأرض من جُثثٍ
فلا شهيدٌ كما يُحكى ولا بطلُ

من مات.. مات صوابًا كان أو خطأً
يكفيه من موته أن الثرى جَمَلُ

يهيجُ حينًا ومرعى دهرهِ امرأةٌ
تحنُّ.. تشتاقُ.. كم تأتي ولا تصلُ

وتعجنُ الحبَّ بالزَّقُّومِ أُغنيةً
في مُقْلَتَيْ شاعرٍ بالنًّارِ يغتسلُ

ـ*****ـ

يا حارس الناي بالحُمَّى مُكهربةً
أقلُّ ما يفعلُ المكلومُ يبتهلُ

من لم يجد دمعةً تبتاعُ مئذنةً
لهيروشيما فإطلالاتُهُ فشلُ

حاخامُ صنعاء يغتابُ النشيدَ كما
يغتابُ صاحبَهُ في الغُربةِ الثَّمِلُ

ويجرحُ البلدَ المخلوقَ من أملٍ
بالفوضويَّةِ.. لا يبقى له أملُ

ولا يقول: اطمئني يا مدائنهُ
ويا قُراهُ.. فلا خوفٌ ولا وَجَلُ

يُنسي الحميمين في الأحوال أنفسهم
وفي النفوس عذابٌ ليس يُحتملُ

عذابُ ليلٍ خُرافيٍّ وأزمنةٍ
مُخيفةٍ.. باسمها الأهولُ تنتقلُ

ـ*****ـ

يا عام ألفين: عَمُّ الفيلِ يضحكُ في
حانوت تاريخهِ.. أيامُهُ زعلُ

وخلف كل جدارٍ ثَمَّ أبرهةٌ
عنهم حُماةُ دياري ربما غفلوا

وما غفلتُ ولكني ارتجلتُ لهم
ما ليس في لحظةِ الطاعون يُرتجلُ

والملحميون يبتاعون أرغفةً
للميتين وحتى الموت مُبتذلُ

يصفقون لتجار الفناء وفي
أكفهم عدمٌ بالخلق مُنشغلُ

وكل مُبتَكِرٍ عيشًا تخاصمُهُ
بلادُهُ حيثُ لا شغلٌ ولا عملُ

تظلُّ تخذلُهُ في كل تجربةٍ
والصبرُ خُذلانُهُ النَّعسانُ والحِيَلُ

خطاهُ بالعالم الدامي مُقيَّدةٌ
والبرزخُ الليل في عينيهِ مُعتقلُ

ـ*****ـ

يا ريح: هاتِي سِلالَ العُمرِ فارغةً
وخبِّريني لماذا إخوتي سعلوا

هل انتهى الوقتُ قبل البدء أم خرجت
عن السياقِ المُنى.. ما هكذا الأجلُ

لم يبق في الفجر فجرٌ نستعينُ بهِ
على الوقوفِ.. دُخانٌ كُلُّها السُّبُلُ

ومالحٌ سُكَّرُ الغاياتِ في دمنا
وكم على دمنا الغاياتُ تتَّكِلُ

فكلما خطرت في البال لُؤلُؤةٌ
بحَّارةٌ من سماءٍ رثَّةٍ هطلوا

وكلما خطرت في البال سنبلةٌ
قبيلةُ الرملِ: فلاَّحُونَ يا رَجُلُ

وكلما خطرت في البال فاتنةٌ
تراكمت فتنٌ لا الحبُّ لا الغزلُ

وكلما هدأت ريحُ الشمالِ طغى
على طفولةِ أحبابي، مَن اكتهلوا

وهكذا كلما في سهلنا خطرٌ
مشى على قدمٍ يسَّاقط الجبلُ

ـ*****ـ

يا عام ألفين عندي ألفُ مشكلةٍ
وألفُ مشكلةٍ.. لا جرح يندملُ

فمنذ عقدين والأشياء مُوجِعةٌ
جميعُها وبلادي كلها عِلَلُ

معاركٌ أكلتني من بدايتها
ولا انتهت في ضلوعي كلما أكلوا

ـ*****ـ

أهلي يخوضون ضدي الحرب.. أوَّلُهُم
أنا.. أحاربُ نفسي حيثُ أحتفلُ

وأدَّعي فرحًا للواقفين إلى
صف الجحيم لأخفي شرَّ ما فعلوا

مخافة القتلةْ.. كسرًا وقافيةً
لستُ الكسير وصوتي لم يكن قاتلْ

لكنهم كسروا قلبي الكبير ولم
أسفك دمًا.. قتلوا قلبي وكم قتلوا

القاتلون صلاة الفجر أربعةٌ:
الدينُ والكُفرُ والميعادُ والأزلُ

والحاملون جنازاتي ثمانيةٌ
حملتهم حيث لا يدرون من حملوا

ـ*****ـ

يا حامل السيف من محراب آلهةٍ
في وجهِ من جَهِلُوا أو وجهِ من عَقِلُوا

ألَّهتني عندما بايعتَ أفيلةً
على الحُطامِ ولكنْ خانكَ الهُبَلُ

وحرَّضَتْكَ على الأطلالِ قاصمةٌ
لِلظَّهرِ.. ظلَّ على أكتافكَ الطَّلَلُ

واستأجَرَتَكُ احتضاراتُ الحنينِ كما
يستأجرُ العشقَ من أوهامهِ العَجَلُ

فلم تُفِدْكَ لدى المعنى مُغامرةٌ
والأبجديَّةُ مِن خُسرانِها الجَدَلُ

فكيف خاصمتَ في سرٍّ وفي علنٍ
عُشبَ اللِّقاءاتِ والأشجارُ تنفعلُ

ماذا فعلتَ وأعماقُ العبيدِ بلا
ذنبٍ؛ ليجلسَ في أحضانكَ الزَّلَلُ!

تستعبدُ النَّاسَ في هذا الزَّمانِ وقد
تحرَّرُوا!.. أين أيلولي!.. أنا كَفِلُ

وأين مستودعُ الأعيادِ في بلدي
حُرِّيَّتِي اكتملت والحُرُّ مُكتملُ

ـ*****ـ

يا عام ألفين عُد بي قِبلتين إلى
ما قبلُ.. لم تحترمني هذهِ القِبَلُ

كأنما لم تعد للوصل صالحةً
لا يصلح الحيُّ إلا حين يتصلُ

فكم تساقطتِ الأشياءُ وانكسرت
روحي وفيها أقام المشهدُ الجَلَلُ

إن لم تعد ها هنا للعيش فائدةٌ
فما المفيدُ.. دمي حلٌّ ومُرتحَلُ

ـ*****ـ

كانت لنا بلدةٌ بالأمس طيِّبةٌ
ترابُها ذهبٌ.. أنهارُها عسلُ

ترابُها صار بارودًا، وأدخنةً
صارت سحائبُها بالريح تكتحلُ

وكُلُّ حقلٍ فسيحٍ صار مقبرةً
من الحقول جميعًا إنني وَجِلُ

لقد خسرنا كثيرًا آدميَّتنا
فأيَّ شخصيَّةٍ للوحش ننتحلُ

فلا مقامَ لإنسانيَّةٍ ثَقُلَتْ
وقد تعثر إنساني وبي ثِقَلُ

تعطَّلَتْ مُدني من كل عافيةٍ
من السكينةِ والأمنِ المدى عَطَلُ

في البيت/ في الشارع العام الحديثُ له
شجونُهُ والأسى من بدئهِ جَزِلُ

ـ*****ـ

أين الطريقُ إلى ما قبل وحشتنا
وهولنا.. هُوَّتَيْنِ الآنَ أنتعلُ

خرجتُ من مِلَّةِ الأفراح.. أخرجني
شعبي؛ لتخرج من أضلاعي المِلَلُ

بكيت/ أضحكني دمعي.. ضحكت/ بكى
لا الجدُّ ينفعني حالاً ولا والهَزَلُ

تمَّ العزاءُ وتمَّ الانتحابُ على
ما قد مضى والبلاءُ الآن مُختزَلُ

فكلُّ شيءٍ جميلٍ طارَ من يدِنا
وليس في يدِ هذا الواقعِ البَدَلُ

ـ*****ـ

من عام ألفين حتى الآن يا ولدي
وكل عاصمةٍ في رأسها خَلَلُ

ولا جديد سوى المأساة تكبرُ في
أعماقنا فلتعُدْ أيَّامُنا الأُوَلُ