آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


التضاد الشعري في «جدران عازلة للصوت» للسورية نور نصرة

التضاد الشعري في «جدران عازلة للصوت» للسورية نور نصرة

الأربعاء - 28 نوفمبر 2018 - 12:26 م بتوقيت عدن

- تحديث/أريج حسن:


السير المتلاحِق نحو النّور
يبدو أن الجدران التي تتحدث عنها الشاعرة نور نصرة في مجموعتها الصادرة عن دار دلمون الجديدة/ سوريا/ جدران من لحم ودم، على شكل قصائد موشّحة بالعاطفة الخافتة التي تمر عبر اللغة الرقيقة لتستقرَّ في الصّوت، الذي يجب أن يُسمع فقط، فالشعر ليس عملية ظنيّة مُؤهلة للتحولات الفيزيائية للغة، هو محض تجريب، مبني على يقين: إنّ الشعر أنا وإني أنا الشعر، ونحن الاثنين ولدنا من غير وصاية، وكانت رحلتنا محفوفة بعَرق القلم.
سيكون يوما مشمسا
أعلمُ ذلك
لكن، لا أريد إخبارك تفاصيل أخرى
عن خلعي لأفكاري السابقة
قبل أن أصعد الدرج
بالاعتماد على نظرية رولان بارت «موت المؤلف» أي أن العلاقة بين المؤلف والنص تنقطع بمجرد إبداع النص، فيصبح النص ملك القارئ «وأرافق الشاعرة في صعودها الدرج، ولكن لابدّ لي من الوقوف قليلا لأراقب حركة النّص اللغوية والملامح النفسية لذلك: «سيكون يوما مشمسا» استخدام فعل الكون المستقبلي في فاتحة النص المتبوع بفعل اليقين «أعلم ذلك» ثم الاستدراك المترافق مع الاستتار «لا أريد إخبارك تفاصيل أخرى وبعدها استخدام فعل قاس (الخلع) الذي يتناسب مع ألم المعنى أو الجهد المبذول للتخلص من المعيقات «أفكاري السابقة» كل ذلك للتهيئة إلى الوصول، صعود الدرج، رؤية الشمس ـ بزوغ النور، وهذا ما تؤكده في نص لاحق:
لستُ شيئا شفافا تعبره
أنا سيلٌ من الاعتقادات الخاطئة
حركة لغوية متتابعة مشحونة بعاطفة نفسية، أستطيع القول:إنها مستقرة، وربما مدروسة، وهذا ما أخبرني به الظرف «قبل» عندما استخدمته مباشرة قبل فعل الصعود.

ـ لغة الشعر هي لغة إشارية على خلاف اللغة العادية ووظيفتها الإيضاحية، باستطاعتنا هنا أن نلحظَ الإشارات التي وضعتها الشاعرة في طريقنا، كالحصى المفضي إلى باب البيت الضائع (ضالتنا).

ـ لغة الشعر هي لغة إشارية على خلاف اللغة العادية ووظيفتها الإيضاحية، باستطاعتنا هنا أن نلحظَ الإشارات التي وضعتها الشاعرة في طريقنا، كالحصى المفضي إلى باب البيت الضائع (ضالتنا).

«هذا السقف متدنٍ جدا»
«حافة سريرك عالية»
« كم كبرتَ في هذا الغياب»
«آلمتني الملامح الجديدة»
« أنا بقايا حلم مكسور»
«أنا امرأة مسالمة»

الطريق إلى استقرار النفس في عالم مليء بالشوك، المتناقضات الفكرية، الحروب
والغياب النفسي أو المكاني، يشبه السير بأقدام بلورية على سطح من الحديد الساخن، تَدافُع الدّم ليبرد نفسه، ويحتمل إيقاع البلوغ، لذة الرحلة التي كانت الشاعرة في بدايتها، هذه الرحلة التي لم تُخف عنا علاقتها المتبدلة مع الشمس/ النور/ كعنصر كوني شديد التأثير والحضور:

«أفتعلُ شمسا» «لم أعد مشرقة» «شمس حارقة» « أكلتني الشمس» «سيكون يوما مشمسا» «أطلت الشمس وابتمست» «سأمسك الشمس بيدين مرتجفتين».
الشمس هنا في الحضور والغياب / الوهج والخفوت / تضاد فني يقابل التضاد الشخصي للشاعرة، والواضح أيضا في تكوين الصور الشعرية، فعبر هذا الخلق الشعري يتمحور الطريق الذي لا يخلو من المنعطفات وحتى الوثبات.
ـ التماهي مع الطبيعة؛ نور تخلق للأشجار في هذه المجموعة وظيفة شعرية، تشخيصية، مبطنة، فلنتابع ذلك في قولها:
« أجعلُ من الأشجار ظلا مناسبا لشهقة روحي الخرساء»
«ظلي المقطوع من شجرة» «أن ترسم طريقا للأشجار» «غزل الريح للأغصان»
« أعجز عن فكّ أغصان شجرتين متشابكتين وكأنهما غارقتان في عناقٍ أبدي «
« الأغصان تخرُّ صريعة من الألم» «الخريف ينتظر رعشة الشجرة «
الدلالة هنا مفتوحة ومقيدة؛ مرة تكون الشجرة من حيث المعنى فاعلا وأخرى مفعولا به، يبدو عنصر التشخيص واضحا في تركيب الصورة، فهي تستعير الأفعال الإنسانية وتمنحها للشجر:
العناق/ الألم / تخرُّ/ الرعشة / وكأن هذه الشجرة الشعرية المتكررة ذات الشاعرة التي تروضها على عيش التجارب المفصلية الحياتية الهادئة والمجنونة أيضا.

« يا صمتا
أحاكي فيها الله»
ـ تشي اللفظة «صمتا» بتفردها على سطر واحد ملتصقة بالنداء البعيد، بسيل من الرؤية المتجمعة حول عدم رد الفعل/ الوجود السلبي/ وربما الواقع الهامشي.الألم المشبع بالسكون، الضبابي الوجهة من حيث الوجود الواقعي، الحلم الخائف من السرطان، الذاكرة التي لا تصلح إلا أن تكون منفضة للسجائر، الجبل الذي ينحني ليحضن البحر المسترخي، القلب الذي نضج من حرارة البكاء، كلها تراكيب هدمية اعتمدتها الشاعرة في نصوصها لبناء واقعية جديدة نحو الحياة المأمولة، إذا اعتبرنا أن الواقعية الجديدة كمذهب تجاوزت عملية الهدم إلى البناء، كما راحت الشاعرة تفعل في هذه النصوص، قد لا يبدو البناء ملحوظا بالقدر الكافي، ولكنّه قائم في نفس الشاعرة.
« إرفعني، إرفعني مع مراتب الريح
كي نهبط سوية
وندع كلماتنا ترتطم
هناك، حيث ارتخت جدائلي على الكتف المتعبة»
الأفعال وحركتها التنافرية، الضدية/ إرفعني، نهبط /، ومن ثم الانفجارية
/ ترتطم/ وبعدها الانسيابية / ارتخت/

انتهى السرد الشعري عبر اللغة واستمرّ في الشاعرة، وهذا يجري عادة في مراحل الحضانة الأولى لتبلور شخصية قد تكون ذات منحى أنثوي رقيق متمرد.

محيط تعبيري مليء بالماء، فأنت مع كل فعل تسبح مع رؤاك لتوقّع لحظة الاستيقاظ الشعري، وتُفاجأ بأنها تأتي هادئة، لطيفة، قريبة من علاقتها مع عالمها الخارجي.
« إلى سنية صالح»
ـ حينما يمتد ألم المرأة ليصير فيّاضا بأجساد أخرى، تحكي عن نفسها القصائد الليلية المتأهبة أمام السواد ـ كل ما يمنع المرأة عن ذاتها ـ كل ظلمة لا ينبلج منها ضوء نحو الأعلى، ضوء يشفي من الإصابة بالسرطان، ليعيش الحلم سليما، قريبا ومستمرا في الإناث المتحفزات للحياة، يتصل نص الشاعرة هنا بالشعور الجمعي الذي يوقظ فينا غريزة البقاء، من خلال استدعاء حياة الشاعرة سنية صالح والتماهي معها في نص قصير:
« أخبريني يا سنية
كيف كنتِ تعقدين جدائل الألم
بشرائط الشعر؟
وكيف كنتِ تدلقين أسرارك
في فم ليل يتباهى بظلمته؟
ـ ما هو قانون الشاعر الذي يتحكم في استخدامه الأدبي للغة، والنفسي للمعنى، وحتى لتركيب الصور الشعرية؟
السؤال الذي يجري في قلب اللغة، أو ضمن الشرط اللغوي، سأقتبس هنا قول أفلاطون «الشعر هو المرآة». الشاعرة تحمل مرآة صادقة لنفسها، للغتها، ولشاعريتها، موسيقاها الداخلية الممزوجة بالألم، مثل طفل يقف على رؤوس أصابعه ليحشر نفسه بين الموجودين، بدون أن يُحدث نشازا يجعلنا نلتفت إليه، هي منسجمة مع ذاتها الشعرية، سائلة مع صورها التعبيرية، وحتى إنها تبدو طفلة غافية ولكنها مفتوحة العينين من فعل الحب المجروح:
« أريد لهذه القصيدة أن تجلس أمامي هادئة
تضع ساقا على ساق
وتدخّن أفكاري ببطء
أريد أن أثرثر أمامها
إنها سكينة باردة لحب أعزل
حب لم يتمكن أن يهدئ روعها»
انتهى السرد الشعري عبر اللغة واستمرّ في الشاعرة، وهذا يجري عادة في مراحل الحضانة الأولى لتبلور شخصية قد تكون ذات منحى أنثوي رقيق متمرد.