آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


صلاح فائق شاعر الدَّهشة والفانتازيا الكابوسيّة

صلاح فائق شاعر الدَّهشة والفانتازيا الكابوسيّة

الأربعاء - 28 نوفمبر 2018 - 03:22 م بتوقيت عدن

- تحديث/ متابعات:

يعود الشاعرالعراقي صلاح فائق الى المعترك الشعري، عبر صدور أعمال قديمة وجديدة له تصدرها دار الجمل تباعاً، وهو كان اختفى فترة طويلة بعدما اختار الحياة في الفليبين، عازلاً نفسه ولكن من دون أن يتوقف عن الكتابة والمشاركة في تطوير القصيدة العربية الجديدة. هنا قراءة في جديده الشعري.

في الخريطة السياسية الراهنة للعراق، تبدو مدينة كركوك، قلب «المناطق المتنازع عليها» في الجسد العراقي المهدّد حدّ الضياع والاستباحة، لكنَّها في الخريطة الثقافية، ارتبطت بحركة شعرية، روافدها مجموعة من الشعراء الستينيين المنحدرين من تلك المدينة الكوزموبوليتية، عرفت بجماعة كركوك، أغنت القصيدة الحديثة بجرعة جديدة من الجرأة والاختلاف، كانت بحاجة إليها في وقت هيمنت ظلال قصيدة ما عُرف بجيل الروَّاد على مجمل الشعر العراقي.

وفي قلق الهوية وتجاذباتها في مشهد النزاع على المدينة، يمثل صلاح فائق الحالة الأخرى: الهوية المتنوِّعة والصلبة لكركوك بل للعراق عموماً، «كـركوك أمتدحها الآن/ لأنَّها منك»، فوالده تركمانيّ، وأمُّه كرديَّة، بينما ثقافته وعطاؤه الإبداعي عربيان، فهو أحد أبرز شعراء قصيدة النثر العربية الأحياء.

ومنذ ديوانه الأول «رهائن» ( دمشق - 1975)، تجسَّدَ ذلك الغنى والتنوُّع في شعره، اختلافاً في الصوت، ومغايرة في الأداء الفني لقصيدته، كرّسه في دواوينه اللاحقة: «تلك البلاد» ثم «مقاطعات وأحلام» و «رحيل» فـ «أعوام»، عاكفاً على الاستفاضة في تشكيل الصورة الشعرية، والاشتغال على الإيغال في تظهير الجانب الآخر من المشاهدات، في فانتازيا لا تخلو من مهارة وذكاء، مستمدَّة من المزج بين طاقة الحلم لدى السورياليين، وبين العناية الفائقة بدقَّة الصورة وحدَّتها لدى شعراء المدرسة الإيماجية في الشعر الأميركي، لتظهير الفسيفساء المعقّدة للباطن الشعوري.

ففي «رهائن» و «تلك البلاد»، نرى الفانتازيا متّجهة نحو تهديم الحدود الوهمية بين اليومي والسوريالي، وبين الشخصي والجماعي، ومتجسّدة في التباس المادة الشعرية بين الذاكرة والمخيلة: «فليس من السهل نسيان الذكرى»، و «الدهشةُ لم تعدْ سوى هزَّة رأس في حانة»، ومن هذا التصادم الأخَّاذ تتوالد شحنة أخرى مغايرة في الصورة والعبارة، وإنْ بدتْ مخفَّفة قبل أن تتكثَّف في دواوينه اللاحقة، ربما كان هذان الديوانان المكتوبان بين العراق وسوريا ولبنان، أقرب الى الغنائية والإنشاد، في استدعاء الماضي للعبور عليه، حيث بقايا نبرة سياسية تحضر للمرة الأخيرة في شعره، «لماذا المدرعات ترابط في الهواء وعلى البيوت رايات القادة المبلَّلة بإفرازات»، قبل أن يعبر برهائنه صحراء «تلك البلاد» إلى حدائق لندن، التي كتب فيها «رحيل» و «مقاطعات وأحلام» و«أعوام»، حيث انشغل خياله الشعري في هذه المرحلة، في إعادة تأهيل الذاكرة. «شاعر يتخيل الماضي/ يتذكر المستقبل» و « بين حاضر وماض/ كل ما حدث يبدو الآن صراخاً مكمَّماً/ بين خصمين»، على أنَّ هذا التفاعل بين الذاكرة والخيال، يبقى بحاجة إلى حافز طارئ لإيقاظ الجانب الثاوي من الذاكرة، ولذلك فهو يحيل الأشياء الحقيقية من حوله إلى رموز، ليخلق عالماً حلمياً من عناصر الواقع نفسه، ففي جنوح خياله الشعري نحو الذاكرة، إعادة اكتشاف للواقع، واستحضاره عبر قناعٍ من الحلم.

وفي هذا المعنى، فإن شعره فيه من البصيرة أكثر مما فيه من البصر، فلكي تكتب القصيدة عليك أن «تتمرَّس كالعميان في التطلّع إلى السماء» أو «أغمض عيني لأرى»، وهو شعر عرفان لا معرفة، انعكاس لصورة العالم بالحدس أكثر من الحسّ. صحيح أن شعره مليء بالمحسوسات، ويكاد يغدو في ظاهره شعراً شيئياً، لكنه، عمقياً، ذو شحنة حدسية عالية في الانعكاس الشعوري لصوره الشعرية. إنه أقرب إلى تلك الشطحات لدى المتصوّفة، حيث يختل التوازن الذاتي حيال الموضوعي، «إني في البيت أحرسُ نفسي»، «أشتري عسلاً من سوقِ النِّسيان»، ومن هنا فإنَّ سورياليته ليست غائيّة لكنها موجَّهة، فهو يكتب من منطقة اللاوعي بوصفها المنطقة الأكثر التباساً في الخارج، لكنها الأكثر صفاءً في الباطن.



تجربة روحية

في دواوينه اللاحقة، فترة إقامته في الفليبين: «دُببة في مأتم» و «نملة تمشي في جنازة» وصولاً إلى ديوانه الجديد «غيمة في غرفة الضيوف»، ثمة نزوعٌ مختلف، إذ لا تكاد تخلو قصيدة منها من أسماء الحيوانات، غالبيتها ليست أليفة!: طيور، زواحف، حشرات، كواسر، ضواري...! إن هذا الاستخدام المفرط لعوالم الحيوانات في شعر صلاح فائق، ظاهـــرة تسترعي الانتباه، فهو منذ ديوان «رهائن» يصغي الى ذلك الصوت الذي يصرخ به: «استرجِعْ صداقةَ الحيوان».

ومن المهم التنويه هنا، بأن استخدام ذلك العالم الغرائزي الموازي، والمتداخل أحياناً مع التجربة الروحية للإنسان، ليس استخداماً وعظياً، كما في حالة «كليلة ودمنة»، ولا يمكن عدّه في سياق «الأدب الديستوبي»، فليس ثمة ديستوبية خالصة كما لدى جورج أورويل، فنحن نعرف أن رمزية أورويل في «مزرعة الحيوانات» كانت لأغراض سياسية، لكن صلاح فائق معني أكثر بالجانب الوجودي، بذلك التداخل المتلبس بين المدينة الفاضلة «يوتوبيا» والمدينة الفاسدة «ديستوبيا»، بمعنى آخر فإن استخداماته المفرطة تلك ليست تجريداتٍ نهائية لرموز خارجية شيئية، وحضورها ليس مجرد ولع بالأشباح، لكنها تنطوي على فلسفة تحوّل وحلول وتناسخ.

ثمة تاريخ غامض لكل تلك الحيوانات، لا يتوانى عن التلميح له: «أنحني على ذئب جاري، أهمس في أذنه أسرار هرب الممرضين من المستشفيات»، ولعلها هنا أقرب إلى تحوُّل كافكا، في محاولته إلغاء المسافة الجذرية المعتادة بين الإنسان والحيوان، ومع هذا القرب فهو ليس تحولاً مسوخياً بالضرورة، فالتناسخ له مراتب حلولية متعدّدة ليست المسوخية إلا واحدة من مراتبها.

لكن اللافت أن صلاح فائق لا يصادف حشود حيواناته في قرية أو غابة أو جزيرة، وهي ليست في «موسوعات أو متاحف» كما يقول، وإنما في شوارع المدن الحديثة، وفي بيته، وأحياناً في جيبه وملابسه أيضاً! ولهذا يبدو العالم الشعري لديه، كسفينة نوح: «أنا مواطنُ هذا العالم، الأرضُ سفينتي»، فقصيدته مثل سفينة هاربة من الطوفان يصطحب فيها مقتنيات شتى، لينشئ بها عالماً جديداً، ما بعد الطوفان المستغرق في لحظتنا، ويؤثث بها مشهداً مختلفاً، على أهوائه، من رموز الفانتازيا، وعناصر اللامعقول، بعد أن أثبت المعقول أنه عالم ملفَّق من البشاعة والفساد. ولا يواجه صلاح فائق هذا الفساد، بالشتيمة والإدانة المباشرة، إنما بالسخرية والتهكم، فيتجلى الضحك بوصفه كوميديا ذكية، وليس تهريجاً أو تسلية، بمعنى أنه لا يقدِّم شعراً فرحاً، «ولكنَّهُ ضَحِكٌ كالبكا»، فالظرف الخارجي هو الذي يحدد فعل التهكم والهزل، ويحيله إلى الضحك كما يقول برجسون، وقصيدة صلاح فائق في جوهرها قهقهة في كابوس، ذلك أن «الكوابيس رُوح مدينتك» و «مشيت في جنائز عسكريين قتلى لأني أحبُّ الموسيقى!».



صورة شعرية

ولهذا، قد لا نجد في شعره دراما الصورة، بمعنى أن الصورة الشعرية لا تؤدي إلى التصعيد المشهدي، فهو يعتمد على التدفُّق الصوري التلقائي، وكأنَّ تلك الأرخبيلات الغريبة من الصور الشعرية واحدة من تقنيات تكريس الفكاهة المُرَّة التي يعتمدها في قصيدته:«لا أختارُ فرائسَ في صوري/ هنالك صقورٌ تحوم/ تعلَّمتُ درساً من انتقال جبلٍ إلى مدينة/ تلبية لنداء طفل».

في وصفه كما في تهكمه من العالم، ثمة بلاغة من نوع آخر، ليست معجمية من بطون الكتب، فهو كثيراً ما يهجو الكتب ويسخر منها! «الكتب بلا آمال، أحلام، بلا حتى نساء. هي جيدة، أعترفُ، لسرد أحوال الطقس»، بل بلاغة الحواس، وقلب الدلالات، وخلق فوضى جميلة في العلاقة بين الشيء والشيء، لا بين الكلمة والكلمة فحسب، فيعمد إلى تأثيث قصيدته بحيوانات أليفة وبرِّية في آن: «اشتريت غزالاً من مأوى للأيتام»، ويؤنسن المجردات ويشخصنها: «لا أتخلى عن أوهامي لا أستطيع/ أحتفظ بها في خزانة مقفلة»، ويستدرج المتناقضات: «ربطت أعواماً من حياتي إلى سكك الحديد».

ويجاور بين المتنافرات: «اقترضتُ مالاً من قاطع طريق/ لأشتري أدوية وفيتامينات»، ليجعل من الوهم شيئاً معقولاً جداً، أما أبطاله فنكرات وهامشيون، وهكذا يشكل عالماً كبيراً من عناصر صغيرة، بل محذوفة ومنسية، ليجعلنا نحتفل معه في أعياد طقوسية من المنسيَّات، ويلعب بحرية في اللا معقول في مسرح موليري هو الحياة اليومية، ليعيد تشكيل النظام الصارم للحياة بنوع من الفوضى المرحة: «أنا بلا أمل حول روايتي الأخيرة: هربتْ شخصيات منها، اختفت/ اعتقلوا بعضهم بعدما انخرطوا في مظاهرة ضدَّ باعة فستق!».

صلاح فائق شاعر ذو حساسية صعبة ومختلفة وفريدة، ولغته شديدة الصلة بالعصر، وصوره الإكزوتيكية أكثر تعبيراً عن قلق اللحظة، وقصيدته مليئة بالكوارث والمفاجآت غير المتوقعة، كأنه كائنٌ فضائي، أو قادم من عصور سحيقة، من تلك الحضارات المطمورة، إلى عالم الحداثة الشاملة، في المدن الرقمية، ومن هنا فشله المستمر في التفاعل الميكانيكي مع العالم، لهذا يضع الأشياء غير المناسبة في المكان غير المخصص لها، ويلتقط صورة شعرية/ تذكارية للمشهد!