آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


المشهد الأدبي المصري صعود للثقافة البديلة واتساع حركة الترجمة

المشهد الأدبي المصري صعود للثقافة البديلة واتساع حركة الترجمة

الثلاثاء - 25 ديسمبر 2018 - 09:10 م بتوقيت عدن

- القاهرة: جمال القصاص


«الثقافة البديلة هي الحل» شعار بلوره بشكل تلقائي كثير من الأنشطة والفعاليات الثقافية الجادة التي يقوم بها شعراء وكتّاب مبدعون بجهود فردية، وشكلت ملمحاً قوياً للمشهد الثقافي المصري خلال هذا العام المنصرم 2018. انضم إليه عدد من دور النشر الخاصة، واضعة ضمن استراتيجيتها البعد النقدي للترويج لمطبوعاتها المتنوعة في الأدب والشعر وقضايا الفكر والفن، وذلك بإقامة ندوات خاصة، يلقي فيها نقاد وباحثون الضوء على ما تتضمنه هذه المطبوعات من أفكار ورؤى وقضايا تشتبك مع الواقع الراهن بأبعاده المأزومة، وتضعه على عتبة الاستنارة والتغيير.

تحت هذا الشعار، نفض غالبية المثقفين والكتّاب أياديهم من غبار المؤسسة الثقافية الرسمية، وأصبحوا لا يعولون عليها كثيراً، سواء في نشر كتبهم، أم الحصول على جائزة من جوائز الدولة، التي غالباً ما تذهب إلى غير مستحقيها. ناهيك عن الترهل والإهمال والفوضى التي أصبحت من الأمراض المزمنة لهذه المؤسسة.

جسّد «مؤتمر قصيدة النثر المصرية» في دورته الخامسة، وعلى مدار 3 أيام، في الفترة من 19 إلى 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، بأتيليه القاهرة، العنوان الأبرز لهذه الثقافة البديلة. بما شهده من حضور لافت وكثيف، وحلت ليبيا ضيفاً على هذه الدورة، ممثلة في كوكبة من الشعراء والشاعرات والنقاد الليبيين.

استنّ المؤتمر تحت رعاية منسقه العامّ الشاعر عادل جلال محورين جديدين في هذه الدورة، الأول بعنوان «مسار»، تحدث فيه عدد من شعراء السبعينات عن تجاربهم الشعرية وأهم المسارات والمحطات التي شكلت نقاط تحول فيها، كما احتفى بالشاعرين المصريين الراحلين؛ محمد صالح، وشريف رزق، في محور خاص. وشهد المؤتمر مشاركات نقدية مهمة، من أبرزها مشاركة الدكتور محمد بدوي، بعنوان «هل يمكن أن نعتبر قصيدة النثر نوعاً شعرياً جديداً؟»، ومشاركة الدكتور يسري عبد الله في دراسته «قصيدة النثر... تقنيات النص المفتوح وجمالياته»، كما قدّم الشاعر الليبي رامز النويصري دراسة بعنوان «قصيدة النثر في ليبيا». وأصدر المؤتمر كتاباً تضمن الأبحاث والدراسات النقدية لهذه الدورة.

ترافقت في هذا السياق، مجموعة من الأنشطة الأدبية اللافتة تقوم بها دور النشر الخاصة، من بينها «دار العين»، و«المصرية اللبنانية»، و«الكتب خان»، وتقف «دار بتانة» في صدارة هذه الأنشطة خاصة بموقعها الإلكتروني الذي أصبح نافذة مهمة لإبداعات وكتابات المبدعين، وطرح همومهم حول ما يخص الشأن الثقافي العام، بحرية وموضوعية بناءة.

وبعيداً عن العاصمة القاهرة، تمثل «الورشة الإبداعية» بمدينة كفر الزيات، تحت رعاية الشاعر ماهر نصر، شرياناً نقدياً حيوياً وحميماً يعتدّ بالحوار بين المبدع وما يطرح حول تجربته من دراسات وشهادات نقدية، يقدمها أعضاء الورشة. كما تمثل ندوة «منتدى المستقبل للفكر والإبداع» الأسبوعية رافداً مهماً ومتنوعاً في هذا السياق.

وجاء قرار نقل «معرض القاهرة للكتاب» من مكانه بأرض المعارض في مدينة نصر إلى منطقة التجمع الخامس النائية على أطراف العاصمة، بمثابة لطمة للكتّاب والمثقفين، معتبرين أن القرار خاطئ، وأنه سيُفقد المعرض ميزة التواصل المهمة مع الجمهور العام لحساب فئة بعينها، وأنه كان من الأجدى أن تقوم إدارة المعرض بالإنفاق على أرض المعارض وتطويرها وتحسين صورتها، بدلاً من التفكير في الحل الأسهل بنقل المعرض إلى مكان آخر، إضافة إلى أن أرض المعارض تتمتع بمحطة مترو أنفاق خاصة بالمعرض، ما يسهل على الجمهور زيارته، كما أبدى كثير من الناشرين تخوفهم من انحسار عملية البيع.

ومن جانبهم، دافع مسؤولو المعرض، الذي سينطلق في 23 يناير (كانون الثاني) المقبل محتفلاً بيوبيله الذهبي (50 عاماً)، عن عملية النقل، وأنه سيكون أكثر تنظيماً وإحكاماً وقرباً من الأقاليم. ففي تصريحات صحافية، أكد الدكتور هيثم الحاج علي، رئيس هيئة الكتاب المنظمة للمعرض، أن الغرض من القرار هو إقامة المعرض وفق «فورمات» عالمية تليق بسمعة المعرض العريقة وبالمناسبة الاستثنائية، وهي الاحتفال باليوبيل الذهبي له.

على ساحة الإبداع، تواصل القصة القصيرة وجودها بقوة للعام التالي على ساحة النشر، جنباً إلى جنب مع الرواية، ومن أبرز إصداراتها هذا العام «مدينة الحوائط اللانهائية» لطارق إمام، عن الدار المصرية اللبنانية، و«حروب فاتنة» لحسن عبد الموجود، و«وجه آخر للصلصال» لعبير الحلوجي، عن دار بدائل، و«كأنه هو» لعصام حسين، عن دار يسطرون. ومن الروايات المهمة التي شهدها هذا العام؛ «مزاج حرّ» لمحمد الفخراني، عن المصرية اللبنانية، و«فراشات أورنينا» لرشيد غمري، عن دار بتانة، و«محاولة للإيقاع بشبح» لهاني عبد المريد، عن المصرية اللبنانية، و«باب الخيمة» لمحمود الورداني، عن دار العين، و«الحب» لصبحي شحاتة، عن دار بدائل. وكان لافتاً أيضاً إعادة طبع روايتين تُعدان من المحطات الأساسية في السرد الروائي، وهما روايـتا «مرافئ الروح» ليحيى مختار، و«العرس» لفتحي إمبابي.

وحظي الشعر بنصيب لا بأس به ضمن حركة النشر. ومن أبرز إصدارته دواوين «عفواً هذا الرقم خارج الخدمة» لفريد أبو سعدة، عن هيئة الكتاب، و«ربّ على شكل طائر» لمحمد عيد إبراهيم، عن منشورات «أنا الآخر»، و«الهائم في البرية» لعبد المنعم رمضان، عن دار العين، و«غلطة لاعب سيرك» لعزمي عبد الوهاب، عن هيئة قصور الثقافة، و«خرائط الجنة» لعبد الغفار العوضي، عن هيئة الكتاب.

وفي مجال الدراسات الأدبية، حظي كتاب «النهار الآتي» عن تجربة الشاعر رفعت سلام بمتابعات نقدية وأدبية ضافية. الكتاب قام بجمعه وتحريره الكاتب أحمد سراج، ويضم 28 مادة، ما بين دراسات وشهادات نقدية لنقاد مصريين وعرب، تضيء تجربة سلام من عدة زوايا فنية مهمة. كما شكّل كتاب «أولاد حارتنا... سيرة الرواية الـمُحرّمة» للكاتب الصحافي محمد شعير، عاصفة من الحوارات المهمة، حول وقائع منع نشر الرواية في مصر، وكشف الكتاب كثيراً من الأقنعة المستترة التي رافقت هذا المنع على المستوى السياسي والثقافي والديني.

وسط هذا المناخ، كان لافتاً تنوع واتساع حركة الترجمة، من عدة لغات أجنبية إلى العربية، شملت كتباً مهمة في عالم الأدب والفلسفة والنقد والعلم والتراث، وبرز المترجم المثقف سيد إمام بجهد وافر ومتنوع في هذا السياق، مقدماً إلى المكتبة العربية مجموعة من الترجمات التي تعد أصولاً ومراجع في مادتها، منها موسوعة «ألف ليلة وليلة» أو «الليالي العربية»، التي ترجمها عن الإنجليزية لاورليش مارزوف وريتشارد فان ليفن، وصدرت في جزأين عن المركز القومي للترجمة، لافتاً في مقدمته الضافية لها، إلى أنها تجيب عن أسئلة مهمة للقارئ، حول أصولها وتواريخ ظهورها وجامعيها، وحكاياتها الأصلية أو المنتحلة وما جرى عليها من تعديلات أو تحويرات، والأثر الذي خلفته في جمهور المستمعين والقراء في كل مكان وزمان وفي المبدعين من شعراء وروائيّين ورسامين وموسيقيّين وكتّاب مسرح في الشرق والغرب، على حد سواء. وحديثاً، أضاف سيد إمام لجهده الوافر كتاباً مهماً، ترجمه بعنوان «النقد النظير» للمفكر المعروف إيهاب حسن، صدر عن دار نشر شهريار ببغداد، يتضمن رؤية فكرية، تدور في إطار 7 تأملات عن الفكر النقدي المعاصر. ويعد هذا الكتاب الثاني عن إيهاب حسن لإمام، فقد صدرت له مطلع هذا العام نفسه ترجمة أخرى للعربية لكتاب إيهاب حسن «الخروج من مصر.. مشاهد ومجادلات لسيرة ذاتية» عن دار العين للنشر.

واتسعت حركة الترجمة للأدب الروسي بمعرفة وفهم راقيين، على يد نخبة من النقاد والباحثين درسوا في روسيا وقضوا سنوات هناك في رحاب جامعاتها، ويعمل أغلبهم أساتذة للأدب الروسي بالجامعات المصرية، من بينهم دكتور إيمان يحيى، ودكتور نبيل رشوان، ودكتور محمد نصر الدين الجبالي.

وعلى مستوى الفن، أضاف «بينالي شرم الشيخ الدولي للفنون» ملمحاً جمالياً مهماً لصعود تيار الثقافة البديلة، فعلى مدار أسبوع أقام البينالي فعاليات دورته الثالثة، بمشاركة 52 فناناً من العالم، مقدماً درساً مهماً في العمل الجماعي، بالتعاون مع قوميسوره العام، الفنان جمال مليكة، ومحافظة جنوب سيناء، وبعض رجال الأعمال الإيطاليين.

على الجانب الآخر الرسمي، غاب منذ سنوات من أجندة البيناليهات الدولية؛ بينالي القاهرة وبينالي الإسكندرية. والأخير يعد ثالث أقدم بينالي في العالم. يصب في هذا المسعى بقوة «ملتقى البرلس الدولي للرسم على الحوائط والمراكب»، الذي عقد دورته الخامسة، أول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بمشاركة 42 فناناً من 18 دولة، ويقام هذا الملتقى برعاية «مؤسسة الفنان عبد الوهاب عبد المحسن للفنون».

ويبقى معرض «حلاوة زمان» للفنانة الشابة سماء يحيى، بمعرض متحف محمود مختار، من أبرز وأهم المعارض وأكثرها فنية ومغامرة، التي شهدتها ساحة الفن التشكيلي هذا العام. اعتمد المعرض على رؤية تركيبية، تمزج الرسم بالنحت بالخزف، بحثاً عن جماليات المهمل، المتناثر في كراكيب ومفردات الحياة، والتفتيش في مسامها الصلدة الصدئة عن علاقات جمالية جديدة ومباغتة تكسر الشائع والمألوف في إطار اللوحة التقليدية، ففي كل قطعة بالمعرض ثمة حالة من التنفس بحرية، مفتوحة بحيوية على أصوات الماضي والحاضر والمستقبل معاً.

ولم يشأ هذه العام أن يغادر دون ترك «لطشة» حزن، خلّفها رحيل بعض الكتّاب والمبدعين، من أبرزهم الفنان المخضرم محمد صبري، رائد فن الباستيل في مصر، الذي رحل عن عمر ناهز 100 عام، وله مقتنيات من أعماله في المتاحف المصرية وعدد من الدول الأوروبية... كما غيّب الموت أيضا الدكتور سيد البحراوي أستاذ النقد والأدب العربي بجامعة القاهرة، عن عمر ناهز 65 عاماً بعد صراع مع مرض السرطان... مثّل البحراوي صوتاً مهماً في الثقافة الوطنية، وعمل أستاذاً بجامعة ليون الثانية بفرنسا، وتولى الإشراف على عشرات الرسائل العلمية في مصر والجزائر وفرنسا، وشارك في كثير من المؤتمرات الدولية والعربية، وكتبت عنه مجموعة من الباحثين كتاباً صدر عن دار العين سنة 2010 بعنوان «النقد والإبداع والواقع... نموذج سيد البحراوي» بتقديم للدكتور محمد مشبال أحد تلامذته. وللراحل عدد من الأعمال الأدبية في القصة القصيرة والرواية.