آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


قبيلي

قبيلي

الجمعة - 18 يناير 2019 - 05:07 م بتوقيت عدن

- تحديث/ خاص: أبو فرهاد العلياني



إلى هذه اللحظة والعزيز القبيلي العريق ( أبو علي اليافعي) يكيل عبارات المدح لشخص من أصل غير قبيلي بطريقة تتنافى مع قيم القبيلة التي ينتمي إليها ، أبو علي مثال للشخص الذي تعززت فيه قيم القبيَلة التي اعتنقها أجداده ، إنه لا يهادن ولا يمازح بتراث الأباء والأجداد ، شعاره "بجب أن يوضع ويعامل كل إنسان بحسب المربع الذي ينتمي إليه ، والذي اختاره له ضعف جدوده ، ولا مساومة في هذه الأمور ، أجدادنا ركبوا المخاطر ، وجاعوا ، وتعبوا ليحافظوا على نقاء عرقهم ، أما من نبت في تربة رخوة يظل هشاً ، السيد يعامل كسيد مهما كان ، والقبيلي يعامل كقبيلي ، والخراز يعامل وفق أصله ، والشاحذ يعامل وفق أصله، هذه إرادة الله الذي قال (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم) ، إن التهاون في هذا تحت أي دافع هو خراب للقيم"

ليلة البارحة سهرت أنا وأبو هشام نضحك ونسولف على المدحة المبالغ فيها التي رد بها أبو علي على مساهمة (منصور حميدة) الذي ينحدر من أسرة امتهنت عبر تاريخها الشحاذة ..

أبو علي بن عبدالله بن علي الكلدي اليافعي ، هو صديق صديقي أبي هشام بن علي الوجيه. تجمعني بأبي هشام قرابة وصداقة حميمة ومصاهرة ، ولهذا نلتقي كثيرا عندما يعود من عمله في كلد يافع ويزورني في بيتي..

يعمل أبو هشام معلماً في يافع في مدرسة موحدة ، وقد أعجبني فيه نظرته إلى الحياة والناس ،احترامه لذاته وللآخرين ، وتفانيه في عمله ، وقدراته الفائقة في نسج العلاقات مع الناس بمختلف وضعياتهم وانتماءاتهم..

يحدثني أبو هشام كثيراً عن الموروثات والتقاليد الطبقية التي سادت قديما في يافع وفي غير يافع ، والتي حاولت رياح الاشتراكية اجتثاثها ، وإزالتها ولكن إعصار ما بعد الوحدة أعاد بذر هذا التقاليد والموروثات فنمت من جديد ، من هذه الموروثات ، تقسيم المجتمع إلى طبقات حيث هناك السيد، والشيخ ، والقبيلي والخراز، والجزار ، والدباغ والشاحذ ..وهذا التصنيف مضى عليه قرون ..ولأن يافع تحتفظ بهويتها في التناسل ، وعرقها النقي لم تمح رياح الاشتراكيه ملامح النسب..فالسيد لا يناسب إلا سيدا ، والقبيلي صنوه ، والفئات المتدنية لها علاقاتها الخاصة..

تخيل نفسك تجلس في وسط مجلس ثم يأتي شخص يقول لك هيا قم ، فتقوم خاضعا ذليلاً من مكانك ليجلس هو في مكانك ويجلسك قريبا من المكان الذي توضع بقربه الأحذية .. السبب أنه من بيت قبلي وأنت كان جدك يمتهن الشحاذة أو الخرازة..

هذا يحدث الآن في يافع .. الجذور الطبقية التي سادت يعاد اليوم بعثها مجددا ..

لكن قصتنا ليست هي هذه .. فأنا اسمي أبو جواد محمد بن الحسن الوجيه ، أنتمي بحمد الله لطبقة راقية ، قبيلي من فرع من فروع قبيلة يمنية لها سمعتها الكبيرة .. يعرفني أبو هشام جيدا فقد درسنا معا وعشنا طفولتنا معا ، بالإضافة لعراقتي من حيث النسب أنا أيضا من أسرة غنية لها استثمارات في دول الخليج واليمن ..

حدثني أبو هشام كثيرا عن صديقه أبي علي اليافعي الذي يعمل مدرسا ولكنه يرعى مصالح أخوانه التجارية .. لقد جمعنا أبو هشام أنا وأبا علي وآخرين في جروب تواصلي..

كان أبو علي يكتب كتابات متواضعه..يتعاطى القات حتى منتصف الليل وتندلع قريحته في الكتابة.. وكان من مناصري عيدروس الزبيدي ومجلسه الانتقالي.. يحب أبو علي المشاهير ويجلس معهم ويأخذ لنفسه صورا وهو بجوارهم ، أحد أشقاء أبي علي يعمل في الإمارات..كتابات أبي علي هي دائما مدح وتطبيل لشخصيات سياسية مرموقة..

أما أنا فقد حصلت على شهادات عليا وكتاباتي راقية وثقافتي واسعة جدا ومعظم كتاباتي تنشر في جروبات أخرى. ولكنني دائما أحب المزاح وأتظاهر أحياناً بالبلادة..

عقدنا أنا وأبو هشام طبخة كيد للإيقاع بأبي علي لنختبر ردة فعله ونزحزح الفلسفة التي يعتنقها..

قلت لأبي هشام.. لا تخبر أبا علي بوضعي الاجتماعي الحقيقي ، قل له أنني إنسان بسيط محدود المعرفة وأن جدي كان شاحذا ، وأن وضعي المادي متدني ، أعمل معلما في عدن..
كان أبو هشام من عشاق هذه المغالطات البريئة ، فحَبَكَ القصّة بدقة ..وقام بالمهمة على أحسن ما يكون ، وصورني فيً ذهن أبي علي بحسب ما خططنا له.وكان يخبرني عن كل تفاصيل أبي علي..

كنت أقرأ مساهمات أبي علي الليلية وفي الصباح أستعين في ردودي بحارس فيلتنا ومشرف الحديقة وهو ثلاثيني حاصل على البكلوريوس في التاريخ ، ويعمل معلما في مدرسة خاصة ، وفي المساء يحرس فيلتنا ويرعى الحديقة ويعلم الأولاد ، كنت أبتسم من السخف الذي يكتبه أبو علي ، وكنت أعلق عليه وأمتدحه متصنعا ثقافة متوسطة تشعر أبا علي بأهميتي.. ولكنه كان لا يلتفت نحوي .. تواصلت مع أبي علي في الخاص ، ومدحت كتاباته وسألته عن رأيه في ردودي على كتاباته ، وقلت له أنني صديق صديقه أبي هشام وأنه يهمني رأيك فيما أكتب، ولكنه كان لا يلتفت لي ولا يرد علي ، فرأيتني حشرة متطفلة عليه..

ابتلعت آهة قهر ، وقلت في نفسي ماذا لو كانت هذه هويتي الحقيقية ..لا علاج لي حينها إلا الثورة ضد هؤلاء أو الانتحار ومغادرة الحياة..

قضيت ليلي أفكر في أمر أبي علي ، وقفزت في وعيي فكرة القيام بأي للسخرية منه ..

اتفقت مع أبي هشام للقاء بأبي علي اليافعي ، وطلبت من أبي هشام أن يخبر صديقه أبا علي سرا ، بأنني بالإضافة لعملي معلما أعمل في حراسة فيلا أحد التجار وأرعى حديقة الفيلا وأراجع مع أولاده الصغار دروسهم ، بحكم أن سكني قريب من هذه الفيلا ، وأنني على علاقة طيبة بصاحب الفيلا ، وأنه يحترمني ويلبي أي طلب أطلبه منه ، ثم يمتدح صاحب الفيلا ويبين علاقاته بكبار المسؤولين في المجلس الانتقالي ، وأنني أقنعته باستقبال صديقي وآخر معه من يافع على نفقته. ففرح باقتراحي ، وأكدت على أبي هشام أن يخبره أن موجبات الضيافة من غداء وقات سيتكفل بها صاحب الفيلا التي سنجلس فيها .. بصعوبة لبّى أبو علي العزومة ..
وحين بلغني مقدمه اتفقت مع أسرتي وأبي هشام أن الحارس سيمثل دوري وأنا اتقمص دوره ، كان كل همي هو رؤية تصرفاته تجاه هذا الموقف..
الحارس الذي يعمل معي في الفيلا ، هو حقيقة معلم مجتهد في مدرسة خصوصية وهو شخص طيب وخلوق ولكنه من حيث الأصل ينحدر من عائلة مارس بعض أفرادها الشحاذة . لكنه إنسان كامل الإنسانية والخلق ..
تبادلت مع حارس الفيلا الدور فألبسته فاخر الثياب ، ولبست أنا ثيابه ، وحضر أبو علي وصديقي أبو هشام وتغدينا وخزنا ، ودُهش أبو علي من جمال المكان الذي أسكنه ، والتقط لنفسه صورا بجوار الحديقة مع حارس الحديقة معتقدا أنه أنا ، كذلك التقط صورا له وهو مخزن بجواره ، أما أنا فكان يتأفف مني ولا يقبل حتى سماع رأيي..
غادر أبو علي وهو مطمئن بأنه قد كسب صداقة رجل مهم ، قد يفيده في أي مهمة ..
منذ هذا اللقاء كان حارس الفيلا يشارك في الجروب الذي يضمنا بخواطر متواضعه ، وكان يعلق عليها أبو علي بردود ممزوجة بنفاقه المعتاد..

كتب حارس الفيلا ذات ليلة هذه الخاطرة:
" أحذر قادة الجنوب أن تقسيم الجنوب لا يمكن له ان يتم الا عبر الشرعية اليمنية وعبر قاعدتها ودواعشها هكذا يريدون الحل اولاد الخنزيرة".

تلقفها أبو علي وعلّق أبو علي على وسأنقل لكم تعليقه مثلما كتبه دون مراجعة وتصحيح:
ً" لم نجد كاتب أكثر رشدا وحرصا على الجنوب من هذا القلم الشريف . حقيقة انا تخيفني كثير الأخطار التي يحذر منها العزيز الجنوبي ، لأن الكثير مما قال شاهدناه وحصدناه . والكل يطمع في الجنوب حقا . وليس في صعدة او المحويت مايجعل الافئدة تهوي اليه. جوهرة الجنوب العربي كل ثعبان يريد ان يملكها .."
ضحكت ملئ صدري وأنا أراقب أبو علي الكلدي القبيلي يكيل المدائح لمن لو عرف أصله الحقيقي سيجلسه بجوار الأحذية ، لهذا منعت صديقي أبا هشام من اخبار أبي علي بالحقيقة وتركناه في جهله يعمه..

... الكاتب أبو فرهاد العلياني....