آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


قراءة في قصيدة (للحرف أرواح) للشاعر اليمني/ محمد مطيع

قراءة في قصيدة (للحرف أرواح) للشاعر اليمني/ محمد مطيع

السبت - 09 فبراير 2019 - 05:52 م بتوقيت عدن

- تحديث/ خاص:


عندما تذوب في جُبّ الحروف المكلومة فإن معانيك تنزف آلام الآخرين، وتتفيأ همومهم وبؤسهم وشهقاتهم ونواحهم ونشيجهم.... حتى أنك لاتبالي على أي أرضٍ تمشي حتى وإنْ لدغتْك النوائب، وحطّتْ فوقك المصائب إلاَّ أنَّ ترياق الحُبِّ سلاحك الظاهر والباطن تكتسي قسماتك وتحتسي به أنخاب قهر الآخرين الذين يتَلَوَّوْن على مساحاتٍ مكلومةٍ تروح وتغتدي على روحِك التي تُسَاقِطُ عليهم رُطَبًا جنِيًّا من سلام الروح التي تكتنزه كإكسيرِ حياةٍ تُذَلِّلُ الصِّعَاب والعقبات الكؤودة التي تهمي مع المساءات المُنكرة لوجود الصباح عبر أسلوب إنشائي اتَّخذَ من الاستفهام محطّةً للتعَجُّب
كما أوضحت بالقول:

فمِنْ أينَ يأتي الصبحُ والليلُ جاثِمٌ
تُقِيمُ به الأشباحُ للضوءِ مِقْصَلَهْ ؟!

ومِنْ أينَ يأتي الصبحُ والناسُ ترتدي
جراحاً وأحزاناً عليهِمْ مُفَصّلَّهْ ؟!

فاستحالة وجود الصبح يمكن اختزالها كمعادل موضوعي لاستمرارية تمدُّد الليل الذي يشي بانسدال غُمّة الواقع إلى أبعد مدى، فكأنّك تستحضر صورة الليل المُدْلَهِم بأحزانه على الشاعر امريء القيس الكِندِي :

ولَـيْـلٍ كَـمَـوْجِ الـبَـحْـرِ أَرْخَـى سُـدُوْلَـهُ
عَــلَـيَّ بِـأَنْـوَاعِ الـهُــمُــوْمِ لِــيَــبْــتَــلِـي
فَــقُــلْــتُ لَـهُ لَـمَّـا تَـمَــطَّــى بِـصُــلْــبِـهِ
وأَرْدَفَ أَعْــجَــازاً وَنَـــاءَ بِــكَــلْـــكَــلِ
ألاَ أَيُّـهَـا الـلَّـيْـلُ الـطَّـوِيْــلُ ألاَ انْـجَـلِــي
بِـصُـبْـحٍ، وَمَــا الإصْـبَـاحُ مـنِـكَ بِأَمْثَلِ
فَــيَــا لَــكَ مَــنْ لَــيْــلٍ كَــأنَّ نُــجُــومَــهُ
بــِكـُـلِّ مُــغــارِ الـفَــتْـلِ شُــدّتْ بـِيـِذْبُلِ

ووصلَ الأمرُ أنَّ الليْلَ يتساوى في الزمانِ وفي العتمة مع الصباح ؛ لأن الـ( أنا) الشعرية مضطربة وتغوص في واقعها بكلّ براعة ، فترك الساحة لأشباح وجدت لها البيئة الخصبة والمناسبة
حدَا بالجراحات أنْ تعلو وتيرة نزفها وصولا إلى التَّقَرّح من حنايا الأحزان؛ لتنسج لنا ألحاناًجنائزية من بين أوداج الغسق..
حتى النخل لم تستطع مجاراة ثورة الليل العارمة ، واستسلمت لنهش التجندل بلاهوادة في سابقَةٍ تستدعي الوقوف اندهاشا ممّا تنطق به ( هُنا) من خلال بيتك المضمخ بالدموع بين مآقي الوجع :

هُنا طفلةٌ تبكي حبيبًا لقَلبِها
هُنا قصَّةٌ ثكلى بِدَمْعِي مُبَلَّلَهْ

فكأن ديمومة الآلام أضحتْ سيمفونية حزن تنطق ألحانها برهبة الخوف ، وتشتعل بين أوتار اللوْعة والحنين، وهذا مابرّر لحروفك التموسق على هذا االنحو من الشدْوِ الحزين :

تُمَوْسِقُنِي الآلامُ عزفًا منغَّمًا 
كفيروزةٍ تشدُو لأنثى مُدَلَّلَهْ

وإنْ كانتْ الجراحات قد بلغت مرتبة أفقدتْها توازنها بين العوالم حولها إلاَّ أن معاني الأمل فتح في الأفق
على ألوان قوس قزح
لترسم لوحات بعبق الأمل الذي يتنفس المحبة، والضوء، والإكسير والعطر والسنبله، ويحاصرك الصمت بتمتمات ترتقي لمقام الابتهالات استحضرتها في حضرة العشق لعل قلوب الغيد بنقائها تدفع الشقاء الملبدة به غيوم السماء:

على العالمِ المكلومِ أهمي محبةً
وضوءً وأكسيرًا وعطرًا وسنبلَهْ

يردِّدُني صمتِي ابتهالاتِ عاشقٍ
ولي في قلوبِ الغِيدِ عَرْشٌ ومنزلَهْ

وهنا يأتي لنا جواب الأحجية ولغز البلاء المنهمر، والشقاء المستعر، حيث كانت حروفك حمامات سلام تتصيّدها صقور الواقع الأليم الذي يفرض نفسه بوتيرة كئيبة تغلف المساحات بانتشال البراءة والسلام عبر الرصاصات والقنابل التي تشقي ماحولها بشظايا الأحقادِ والكرْهِ، وتفجيرات الإِحَنِ والتشرذم، واختفاء الفرص لرفع غصن الزيتون، وترك الفرصة الفراشات أن تلثم خدود الورود، وتطبع قبلتها على صور الأوراق الخضراء التي سقطت أمام أعيننا، وباتت بلاحراك ،وروحي باتت ترقبُ أجَلَها على كفِّ الحذر :
بلَى إنني وحدي ولكِنْ كوردةٍ
إذا صارَ منْ حولي رصاصٌ وقنبلَهْ

أنا الطائرُ المسجونُ والأفقُ حالكٌ
جناحاي مكسوران روحي مُكَبَّلَهْ

وهنا نستحضر قول الناطق الأكبر محمود درويش:
جناحاي: أنتِ و حريتّي

تنامان خلف الضفاف الغريبة

أحبّكما، هكذا، توأمين!

وتختلس الكلمات فترة هدنة أخضعتها للحروف فتجول بها الذكرى لزمن الحب والوئام، والتآلف والسلام على كل مساحات قُدِّرَ لنا العيشُ على ثراها :

على أرخبيلِ الحُبِّ عِشْنَا سويَّةً
نقصُّ على طفلي دروسًا مُطَوَّلَهْ

وكأن الشاعر هنا ينقلنا في مشهد الربيع العربي الذي تتذكره الأجيال في هذه الأيام من فبراير فكان 11 منه لواء الجماهير المجتمعة حوله في كل الأوطان العربية التي هبّتْ ريحه إليها، لكن خارت القوى، "والأماني كِبَارٌ تعبَتْ في مُرادِها الأجسام" :
ربيعُ الأمَاني الخُضْرِ أنفاسُ عطرِها
ذوَتْ في رُكامِ الحَرْبِ "بِئْرًا مُعَطَّلَهْ"

هنا حصحص الحق وأصبحنا نرى بأم أعيينا الدمار الذي كشَّر عن أنيابه، وعضّنا، وأكَل، واستفحل فعله بالنهش والتنكيل والتقتيل والتدمير ففاضت الأرواح لبارئها، وأُعيدتْ الأسمالُ إلى أحضان التراب تتسابق إليها الأجداث على استحياء بعد أنْ أزكمتْ الأفق روائحها التي لم تجد رحمة تُدَثّرها من بين أيدي الأشقياء..
فجاء الاقتباس بجلاء يحبس الأنفاس
{فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ}

لتوقفنا حروفك وتسترعي انتباهنا بأنّ الحرب لم تخبُ نارُها، لكنّها في عقول الشياطين "من نار " فتستشيط كُلَّما ازدادت الفُرقة واتسعت هُوّة الخلافات في إطار البيت الواحد ؛ لذلك لن يجدي ماتبقّى من سلام - في قلوب بعض المحبين لأوطانهم- لكبح جماح شهوات الانتقام، أو اختفاء نزوات انتزاع الوسن من بين عيون الوطن:

ففي الساحلِ الورديِّ من سفْحِ مهجتي
عقَدْتُّ معَ الأحزانِ حربًا مُؤَجَلَهْ

فأوْغَلْتُ في المعنى مجازًا لدمعةٍ
قضتْ نَحْبَها في الحُبِّ وَحْيًا وأَخْيِلَهْ

الشاعر ألهب المشاعر في حضور الليل ، وكست الأنظار وشاحات من سواد،
وأبدعت حروف الصدق بحفر الألق بحبر من مداد ،

( ....وللحرف أرواحٌ وجُنْدٌ مُوكَلَهْ)
وتعمقت في غمرات المعاني أرواح الحروف المتناثرة على أسِنّةِ الجَوَى تسْنِدُ بوحَها للعشق الأزلي للوطن الذي لايزال يحتسي مرارات أبنائه الذين تنَكَّروا لجمائلِهِ وأغمَدُوا نِصَال عقوقهم بين أحشائه الطاهرة.

عبدالكريم الخياط