آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


تظاهرة للمعرفة والتنوير على طرف الصحراء

تظاهرة للمعرفة والتنوير على طرف الصحراء

الأربعاء - 13 فبراير 2019 - 05:13 م بتوقيت عدن

- تحديث/ متابعات:

ثمة في هذا العالم المترامي بلدان كثيرة لا يشعر المرء، ولأسباب مختلفة، بأي دافع إلى زيارتها والتعرف إلى واقعها عن كثب. وثمة بلدان نزورها لمرة واحدة، بدافع الاكتشاف أو الفضول، ولا نجد بعد ذلك ما يحثنا على العودة إليها مرة ثانية. على أن مصر هي من البلدان القليلة التي لا تنتمي إلى كلا الصنفين، بحيث لا نكاد نغادرها في الزيارة الأولى حتى تراودنا من جديد فكرة العودة إليها، واستكناه ألغازها وخفاياها وجاذبيتها المغوية التي لا يبطل سحرها أبداً.

ولعل تلك الجاذبية لم تكن وليدة الصدفة ولا تنحصر في نقطة بعينها، بل يتضافر في صنعها الزمان والمكان، التاريخ والجغرافيا، الواقعي والسحري، كما الطبيعة والبشر. فلقد حفل تاريخ مصر القديم بأكثر الأسئلة اتصالاً بالجوهر الإنساني وبلغز الوجود ومعنى الحياة والموت، الأمر الذي استدرج الكتّاب والفلاسفة والشعراء على امتداد العصور إلى الوقوف على العناصر المختلفة التي أعطت لمصر طابعها الخاص ونكهتها الفريدة. وإذا كان المقريزي قد أشار إلى مصر بوصفها «قلب الأرض ومتوسطة الدنيا»، فإن جمال حمدان في كتابه الشهير «شخصية مصر» لم يبتعد كثيراً عما ذهب إليه المقريزي، حيث وصف بلاد الكنانة بأنها «ملحمة جغرافية» يتعانق فيها القلب الأفريقي وقلب العالم القديم، بقدر ما يتعانق النيل مع المتوسط.

ولأن مصر هي في محيطها من البلدان القليلة التي تحمل سمات الدولة العميقة، فإن الغلبة فيها ليست للعابر والعرضي والهش، بل لكل ما يترك على الأرض بصمته الراسخة كالأهرامات والمسلات والمعابد، أو لكل ما يحفظ الروح عبر منع الجسد من التحلل، أو لكل ما يمنع اللحظة العابرة من الزوال، عبر الكتب والأسفار والنقوش والروايات. والغلبة هنا هي، باستثناء خفة الظل، للثقل لا للخفة، وللنواة لا للقشرة، وللتحول البطيء لا للعواصف المرتجلة. كأن اتساع الجغرافيا وقِدم التاريخ يتحولان إلى ضابطي إيقاع لحركة الواقع وتغيراته، ويقيمان الحدود المقبولة بين النظام والفوضى، وبين تمثّل التراث والاندفاع إلى قلب الحداثة. وهو ما أتاح لمصر أن تكون قلعة الماضي من جهة، وأن تكون بوابة التنوير ومفتاح الولوج إلى ثقافة العصر وكشوفه، من جهة أخرى. وفي هذا البلد المحكوم بالمفارقات ينفتح كل شيء على نقيضه الضدي، بحيث يواجَه الشقاء بالنكتة الساخرة والذكاء اللماح، ويواجَه الفقر بالصبر والإرادة، ويواجَه صخب النهار وزحامه بالهسيس الصامت للنجوم التي يتلألأ بريقها السماوي على صفحة النيل.