آخر تحديث :الأربعاء-29 مايو 2024-11:03م

ادب وشعر


دمعة على عدن

دمعة على عدن

الإثنين - 10 يوليه 2017 - 12:01 م بتوقيت عدن

- سعيد المحثوثي


اكتئب أحيانا، وفي اكتئابي أكره كل شيء.! أكره ذاتي.. اصدقائي.. حتى الوطن أكرهه.! أكره أن يناديني أحدهم بالسعيد، أشعر أن هذا الوصف لا يناسبني تماما وكيف أكون سعيدا وهذا العبء من ثقالة دم الناس وثقالة الوضع يرهق كاهلي فيتعبني .!

تدور في مخيلتي أشياء كثيرة، تزعجني كثيراً بعضها حين أتذكر قبل أيام مضت وأنا أمر في حواري مدينتي عدن متجاوزا بعض (الجولات) فأشعر بالاشمئزاز إن رأيت لافتة منصوب فيها أشخاص - مثلي - عرفانا لصنيعهم وما قدموه لتلك المدينة الوديعة.! كنت أقف شاخصا بصري إليهم لبرهة بعد ذلك أخاطبهم بصوت مسموع أن هناك تشييع جنازة يتوجب عليَّ الذهاب واكتساب الأجر.! أخاطبهم أن القبور مكتضة وليس هناك مساحة لأضع رجلي بين قبرين فهناك قبر مستحدث يتوسطهما.!
وقبل أن أذهب من أمامهم أخبرهم انني حفظت سورة ياسين وقليلاً من بعض السور ليس من التحفيظ الذي التحقت به عندما كنت صغيراً، ولكن من سماعهما بكثرة هذه الأيام أثناء دفن أحد الموتى، أصبحت أعرف ماذا أقول لأهل الميت للتخفيف من مآسيهم وأحزانهم.!
يامن اعتليتم الجولات أؤكد لكم انني أحفظ رائحة الشذاب والعنبر، وأميز بين ماء الورد والمسك.!

لا أدّعي حب مدينتي عدن، لكنني أحزن كثيراً حين أرى منازل مدمرة لم تبن من الحرب الأخيرة الغاشمة، أحزن حين أسمع شكاوى الناس البائسة، وأرى عدد الأيادي التي تكسر العفة بعصا الحاجة، راجية عطاء مادياً من الناس قد يقوم بتوفير الوجبة التالية ..
كان حال الشحاتين في السابق أفضل بكثير من الآن، ولكن شحاتي اليوم بؤساء جداً ووجوههم غير مألوفة تظهر على ملامح البعض مدى قهرهم من الوضع الذي أجبرهم على التسكع في الشوارع ومد أيديهم بالحاجة إلى الناس.
أحزن عندما أرى المنازل بنوافذ تجردت من زجاجها كحل أخير لتلافي ضغط الانفجار بعد كل قذيفة عشوائية تسقط على عدن، أحزن عندما أرى اتساع المقابر وازدحام الذاكرة بذكريات من فقدناهم وامتلاء الحديث بكلمات العزاء، أحزن وأشعر بالأسى حين أرى الناس الكاذبة وأيادي اللصوص الممدودة بذريعة شحت السلام بالرغم من استطاعتهم أن يخرجوه من جيوبهم، يبحثون عن الانتصار في بحار الدماء ويجدفون بأرواح الأبرياء لكنهم يغرقون جميعاً في الحقد، يبحثون عن الأمن ولا يجدون إلا جثث أقربائهم المترامية في أيام الحرب والمدفونة في الذاكرة.
هنالك أرواح كانت تشد من أزر تلك المدينة لكنها اختفت دون رجعة..!
المدينة الآن تلتحف الظلام لتستر عورتها، فكل شيء أصبح مكشوف العورة، وأشعر أن قلبي الذي يسكنه الألم كأنه قد انهار بانهيارها ..
جدرانها تتكئُ على بعضها، وذلك الفراش رماه صاحبه دون اهتمام في قارعة الطريق ليلقي رأسه عليه عله ينسى همومه، وينسى الذي أخرجه في هذا الهزيع الأخير.!

المدينة التي بدت لي أنها تختبئُ من الفجيعة وتخاف من الفوضى والدمار.. أشعر أنني استطعت كشف صمتها وسأجبره على البكاء مثلي تماما .! فالجبال الشاهقة كشمسان وصيرة والنوارس البيضاء هي وحدها من تستشعر حجم الألم الذي أصاب عدن، تحاول مواساتها، تعلم أنها لن تستطيع تغيير شيئا لكن يبدو أنها شعرت بألمها فقررت البقاء بجوارها.. رقبت إليها من بعيد، شعرت أنها تقترب من تلك المدينة، وكأنها تقول لها : كل شيء رخيص في سبيل الوطن.!
أخذت نفسا عميقا وخطوت مسرعاً لأتنفس في أقرب منتدى ثقافي وليتني لم أسرع ولم أفكر بالذهاب .!
صارت منتدياتنا حظيرة ومرتعا لمواشي عدن المثقفة - هكذا أسميها - فالمثقفين فيها كل واحد منهم (مكيف بتخزينة) وكأن الثقافة لا تعنيه في هذه المدينة المكلومة .!
يا هؤلاء تخيلوا روح محمد علي لقمان - وأرواح عمالقة الأدب والفكر في عدن قديما - تطوف بالمكان وهي تلعنكم وتسبكم حتى تفيقوا من سباتكم وتعودوا إلى رشدكم؛ لتكونوا دعاة إعمار فكريا وثقافيا وليس دعاة هدم وإحباط لمن بعدكم .!
حزنتُ وحزنتُ وكأنني المسؤول الأول عن الثقافة .! وقفتُ وحيداً .. استجمعت قواي وحاولتُ المضي والذهاب إلى منزلي الذي لا يبعد كثيراً عن منتديات القات والقيل والقال، شعرت بالبؤس وأن قدماي علقتا في ذلك المكان ولم أستطع تحريكهما.!
وعند رواحي قلت يتوجب علي زيارة المقبرة .. رفعتُ رأسي بعد مدة من التمعّن فيها التي كانت بالأمس شارعاً يمتلئ بالحياة، المقبرة فيها خيرة الرجال وأنبل الأصدقاء..
يمنت بصري تجاهها فشعرتُ أن النجوم تتساقط من هذه السماء واحدة تلو الأخرى،كأنها تحاول إضاءة هذا الظلام، لكنها لم تستطع من هول السواد، وتيقّنت أن هذه المدينة نزعت منها الحياة.!
حزنتُ وحزنتُ وكأنني المسؤول الأول عن عدن.

حقيقة..
أصبحت لا أطيق سماع الأخبار - السياسية والثقافية - ولا أستطيع تحمل ظلمة هذه المدينة التي تبدو على ملامحها الانهيار، وكل كائن فيها يحمل في قلبه شظية كذكرى لأيام الحرب المفجعة واللعينة.